في بداية القرن التاسع عشر كانت أسراب الحمام المهاجر تشكّل نسبة تتراوح بين 25 إلى 40 في المئة من الطيور التي كانت تعيش في المساحات الشاسعة لأميركا الشمالية، التي تضم اليوم كلا من الولايات المتحدة الأميركية وكندا.
وليس من المبالغة القول أيضا انها كانت «تحجب الشمس» أثناء طيرانها عن أجزاء من البلدين المعنيين لساعات طويلة وأحيانا لأيام. كذلك ليس من المبالغة القول إن أسرابها كانت تغطي مساحات شاسعة من الأرض التي تحطّ فيها. والإشارة أيضا أن «تصفيق» أجنحتها كان يصدر ضجيجا شبيها بالرعد بحيث «لا يمكن سماع حديث الآخر أثناء مرورها».
تلك المليارات من الحمام المهاجر التي كان يطلق عليها البعض تسمية «الحمائم الزرقاء» ـ التي لا ينبغي الخلط بينها وبين الحمام الأزرق الزاجل ـ بسبب لون ريشها في مطالع القرن العشرين انقرضت بشكل كليّ. والباحث الأميركي «جويل غرينبيرغ» المختص بـ «علم الطيور» وبمسائل العلاقة بين الإنسان والطبيعة يكرّس كتابه الرابع لظاهرة «انقراض الحمام المهاجر»، ويحمل الكتاب عنوان «نهر من الريش في الفضاء».
تلك الطيور «الجميلة» انقرضت بعد أن كانت متواجدة تقريبا في كل مكان في أميركا الشمالية، كما يشرح المؤلف. ولا يتردد في إعادة ذلك إلى تضافر عدّة عوامل، يشترك فيها ما هو إنساني بما هو صناعي وبما هو بيئي. ويؤكّد على أهمية معطيات السياق الذي قاد إلى «انقراض» ذلك النوع من الطيور.
يشير المؤلف إلى أن «الحمامة المهاجرة» الأخيرة التي عبرت في سماء الولايات المتحدة وتمّ «أسرها» ماتت في الأول من سبتمبر من عام 2014. ويتواكب صدور هذا الكتاب مع الذكرى المئوية الأولى لذلك «الحدث المحزن». والإشارة في هذا الإطار إلى أن «مارتا»، كما أطلقوا على تلك الحمامة، تمّ وضعها بغية «حفظها» في كتلة من الجليد وزنها 150 كيلو غراما، لنقلها إلى واشنطن، حيث تم تحنيطها وعرضها في أحد المتاحف.
وفي القسم الثاني من الكتاب يركّز جويل غرينبيرغ بالأحرى على شرح الطرق التي تمّ بها إبادة أعداد كبيرة من الحمام المهاجر عبر قتلها بأشكال مختلفة. وهو يعتمد في شرحه بالدرجة الأولى على كتابات الذين ساهموا بعمليات «الإبادة» تلك. ولا يتردد المؤلف في توصيف ذلك بأنه «تاريخ مأساوي» ينبغي على جميع الأميركيين أن يكونوا آسفين فعلا لما سلكوه..
وما جمع حوله كمّا كبيرا من الوثائق من مصادر مختلفة كي يصف «حياة وموت ذلك النوع من الطيور». ويلقي جويل غرينبيرغ على هذا التاريخ «نظرة غضب» مدافعا عن البيئة، ويعبّر عنها بأشكال مختلفة في هذا الكتاب.
«نهر من الريش في الفضاء» هو بالوقت نفسه كتاب في التاريخ الطبيعي وتأبين «متأخر» للحمام المهاجر وبيان من أجل الدفاع عن البيئة، ويتزامن بالوقت نفسه مع الذكرى المئوية لموت «مارتا»، آخر حمامة مهاجرة كانت قد عرفتها أرض الولايات المتحدة الأميركية.
