من الأفكار الشائعة التي تتكرر كثيراً على ألسنة البشر، تلك التي تقول إن العمل هو أحد المقاييس الأساسية لإنسانية الإنسان. وهذا بالتحديد ما يكرّس له جيروم شارتييه، النائب في الجمعية الوطنية الفرنسية «البرلمان»، كتاباً تحت عنوان «في مديح العمل». الدعامتان الأساسيتان في هذا «المديح للعمل»، يحددهما المؤلف بأنه مهم وجوهري في «الحياة الشخصية لكل إنسان» و«في حياة أي بلد من البلدان». وهو لا يتردد في الإشارة إلى أنه «عاش لفترة ما في حياته، عاطلاً عن العمل» وانتابه أثناءها الإحساس بأنه «يعاني من عار».

ويؤكّد المؤلف في البداية أيضاً، أن المجتمعات الغربية اليوم تعرف نزوعاً يرمي إلى «التقليل من قيمة العمل»، وأن النظرة تغيّرت تماماً لـ«عالمه». وهذا ما يعبّر عنه بالقول: «إن سنوات عدة من عمليات الهجوم المستمرّ ضد النشاط المهني أدّت إلى تحوّل عالم محبّ للعمل ومواظب عليه، إلى مجتمع يبحث بحماس عن أوقات الفراغ». بهذا المعنى يرى المؤلف أن الفرنسيين غدوا في الفترة الأخيرة يأملون بما يسمونه «حق الكسل».

ومن خلال تركيز المؤلف على القول إن العمل يفقد الكثير من قيمته ومن مكانته لدى الفرنسيين، يركّز على فكرة تتكرر في تحليلاته بأشكال مختلفة، وهو أنه هناك «نقصاً كبيراً» في «الحيوية الاجتماعية» في البلاد. وهذا النقص هو الذي يحمّله وزر عدم النهوض الاقتصادي «الموعود» منذ سنوات عدة.

ويشرح المؤلف في هذا السياق أنه رغم «وضوح أهمية فكرة العمل»، فإنه «لا يشرع باباً مفتوحاً»، بمعنى أنه يردد مسلّمة معروفة من قبل الجميع. ذلك أن هذه المسلّمة واجهت منذ الحرب العالمية الثانية، هجوماً عنيفاً واضحاً أو مبطّناً، إلى هذه الدرجة أو تلك، من قبل «مثقفي وسياسيي اليسار واليسار المتطرّف» الذين أرادوا عبره تعزيز الأفكار القائلة، إن العمل ليس له وظيفة في مجتمع مثل المجتمع الفرنسي سوى «زيادة ثروة الأغنياء».

ويؤكّد المؤلف القول إنه عند نهاية الحرب العالمية الثانية التي لعب خلالها اليساريون الفرنسيون من شيوعيين وغيرهم دوراً مهماً في مقاومة الاحتلال النازي، واجه أرباب العمل الفرنسيون «اتهام» تعاونهم مع المحتل. ذلك في فترة كان فيها لنقابات العمّال «ذات التوجّه اليساري»، دور كبير، وكان أرباب العمل بحاجة إلى اليد العاملة من أجل إعادة تعمير البلاد.

وإلى تلك الفترة بالتحديد، يعيد المؤلف مجموعة القوانين ذات المنحى الاجتماعي. وفي مقدّمتها قانون «التوظيف مدى الحياة» الذي لايزال مطبّقاً وساري المفعول في وظائف جميع مؤسسات ودوائر الدولة.

وفي سياق تحميل اليسار ومثقفيه وسياسييه، المسؤولية الأولى في التقليل من قيمة وأهمية العمل منذ الحرب العالمية الثانية، يضيف المؤلف مسؤولية الحقبة التي حكم فيها اليسار فرنسا عند انتخاب فرانسوا ميتران رئيساً للجمهورية، كي يكون الرئيس اليساري الأول للجمهورية الخامسة التي أسسها الجنرال ديغول عام 1958.

ومن النتائج الأساسية التي يركز عليها المؤلف في التحوّل في النظرة إلى العمل، هو أن ذلك انعكس سلبياً على أجيال الشباب الذين أصاب قسم كبير منهم، الإحساس باليأس في بحثهم عن فرصة عمل وانطلاقاً منها البحث عن مستقبل. والوجه الآخر لهذا الواقع المستجد يحدده المؤلف بشيوع حالة من «الجمود ونقص المرونة في أسواق العمل».

ويكيل المؤلف في هذا الإطار، الكثير من المديح للنموذج الدانماركي، ويطلق عليه توصيف: «المعجزة الدانماركية». ذلك من حيث ما يتمتع به من مرونة مرتبطة بالوقت نفسه مع المحافظة على الأمن، وحيث يسعى العاطلون عن العمل إلى الحصول على فرصة عمل بأسرع وقت ممكن.

ويحمّل المؤلف، في جميع تحليلات هذا الكتاب، مسؤولية تدنّي قيمة العمل لأولئك الذين «يمنعون الفرنسيين» من العمل. ذلك أنه يؤكّد القول إن «الفرنسيين ليسوا خاملين ويمقتون العمل في الأساس». كذلك يحمّل المسؤولية لما يطلقون عليه «الاستثناء الفرنسي» من حيث الطبيعة الاجتماعية المعمول بها.

ويشرح جيروم شارتييه، أن الأنظمة الفرنسية التي تحكم تسيير عالم العمل «تدفع القادرين على العمل نحو النوم، وحتى لو لم تكن لديهم رغبة بذلك».

المؤلف في سطور

 

جيروم شارتييه. من مواليد مدينة باريس. وهو رجل سياسة فرنسي. حائز شهادات عليا في مجالات علم الاجتماع وعلوم اللغة والعلوم السياسية. مارس العمل الصحافي ــ كصحافي مستقل ــ لفترة. وهو عضو في الجمعية الوطنية الفرنسية ــ البرلمان ــ منذ عام 2002.