تتزايد وتتعالى الأصوات في فرنسا التي يرى أصحابها أن مستقبل البلاد يدعو إلى التشاؤم، ويرسمون لها صورة سوداء في القرن الحادي والعشرين. ذلك أنها تتراجع اقتصاديا وتفقد الكثير من مكانتها سياسيا على المسرح الدولي، بل يصل البعض إلى القول إنها مهددة بخطر «تفسّخ هويتها» الوطنية.
وفي المقابل، هناك أصوات أخرى تذهب في اتجاه معاكس، إذ يؤكّد أصحابها، أنه ليس هناك ما يثير الخشية حيال فرنسا ومستقبلها. وأنها ستكون قادرة على مواجهة جميع التحديات الكبرى التي سيعرفها القرن الحادي والعشرون. ومن بين هذه الأصوات: اريك لو بوشيه، الذي عمل في عدّة صحف فرنسية كبرى، ويدير تحرير مجلة اقتصادية حاليا، في كتابه الذي يحمل عنوان «المخرّبون».
هؤلاء «المخرّبون» الذين يقصدهم، هم بالتحديد رجال السياسة، كما يدل بوضوح العنوان الفرعي للكتاب، ومفاده «عندما يعيق رجال السياسة فرنسا التي تريد التقدّم». ويربط المؤلف تقدّم فرنسا.. وأن «ينعم أطفالها بمستقبل أفضل»، في أن لا يلعب الساسة دورا معطّلا لذلك، ويكونون بالتالي في موقع «المخرّبين » فعلا، وبهذا المعنى يضمّهم اريك لو بوشيه إلى فئة «دعاة الانحطاط»، الذين يعلن عداءه الصريح لهم في مجمل تحليلات هذا الكتاب.
ويعود المؤلف في تحليلاته إلى التذكير بسياسات فرنسية سابقة، كانت فرنسا قد عرفتها في ظل الجمهورية الفرنسية الرابعة (1946 ــ 1958)، وقامت على «تجاهل العالم الخارجي، وعرفت حالة من الشلل بسبب الحروب الداخلية بين الأحزاب السياسية، وعاشت باستمرار تحت ضغط انشغال رجال السياسة بإعادة انتخابهم في مختلف المجالس».
ويرى المؤلف أن حالة شبيهة تتكرر اليوم في فرنسا، حيث اليمين «يبدي تشنّجا شديدا باسم تمسّكه بالهوية الوطنية»، واليسار يبدي ما يماثل ذلك «باسم الهوية الاجتماعية». وما يؤكّده المؤلف، أن هذه «المعارك» انتهى زمنها والمطلوب اليوم «الغوص في القرن الحادي والعشرين والتأقلم معه».
ويجد المؤلف، انه ورغم التحديات والمصاعب الكبرى، فإن «القرن الحادي والعشرين يمكن أن يكون أيضا قرن الفرص الكبرى وانتصار الذكاء والتجديد المثمر لأنماط العيش. وفي إطار التبدّل الذي بدأ حيث ستجري إعادة النظر في طرق التعلّم والعمل والاستهلاك، مثلّما هي الحال اليوم، في إعادة النظر في طريقة الإعلام والمعلومات، وفي هذا العالم الصعب، ولكن الواقع أنه تتمتع فرنسا بموقع جيّد على عكس ما يعتقده الجبناء الصغار».
فرنسا إذا، كما يراها المؤلف، تستطيع التقدّم في القرن الحادي والعشرين و«يمكن لأطفالنا أن يعيشوا حياة أفضل من حياتنا»، كما يكتب. لكنه يضع للوصول إلى ذلك عددا من الشروط، وفي مقدمتها أن تعيد الدولة تحديد مهماتها وسلّم أولوياتها.
الفرنسيون، كما يوصفهم هذا الكتاب، هم «مبدعون ويحسنون تدبير الأمور ويتمتعون بقدر كبير من الاستقلال الذاتي». وفرنسا تمتلك أوراقا رابحة عديدة في العالم الذي ترتسم ملامحه. ففضلا عن «حكمتها الإنسانية» تمثّل «شعبا ذا درجة عالية من العلم والثقافة وذا خبرة تكنولوجية كبيرة وحس اجتماعي متقدّم ومقتصد».
وبالتالي يمكن للطبقة السياسية إذا «عرفت كيف تجدد نفسها، وتمتّعت بقدرة الانفتاح وبالشجاعة، أن تدفع الفرنسيين إلى المزاوجة بين التكنولوجيات الحديثة والفلسفة القديمة لتحسين عملهم وحياتهم.
المؤلف في سطور
اريك لو بوشيه. صحافي فرنسي. عمل في عدة صحف، من بينها: «لوموند».. ذلك قبل أن ينتقل للعمل في صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية. يعمل حاليا، مديرا لتحرير لمجلة اقتصادية فرنسية «انجو ــ ليزيكو». وهو أحد مؤسسي المجلّة الالكترونية «سالت». حائز على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة «دوفين» بباريس. من مؤلفاته: اقتصاديا غير صحيح.. عن الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين.
