يكرس الأستاذان الجامعيان دافيد ستوكلر وسانجاي بازو، الباحثان في مجال الأوبئة وأسباب ظهورها ومسارات انتشارها في العالم، كتابا مشتركا لدراسة الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، الأخيرة، من زاوية تأثيرها القريب والبعيد على الصحّة العامّة. ويحمل الكتاب عنوان «الجسد الاقتصادي» ويشرحان فيه «كيف يمكن للتقشّف أن يقتل»، كما جاء في العنوان الفرعي.

وما يبرهنان عليه هو أن جميع البلدان التي رفضت اللجوء إلى إجراءات التقشّف، بل على العكس لجأت إلى تنشيط «الاستثمار في برامج الحماية الاجتماعية»، هي التي حققت أفضل النتائج على صعيد تجنّب التقهقر الاقتصادي السريع. وبالتوازي مع ذلك، هي التي حققت أفضل النتائج على صعيد حماية الصحّة العامة والمحافظة على المستوى التربوي وفي القطاعات الاجتماعية الأخرى.

من الملاحظ أن مؤلفي الكتاب يوليان أهمية خاصّة في تحليلاتهما للأرقام، كما يبدو من خلال الإحصاءات العديدة المنشورة. ومن خلال ذلك أيضا يجري التأكيد على أهمية عدد من النقاط والمسائل الحساسة التي ينبغي على أصحاب القرار، على المستويين السياسي والاقتصادي، أخذها بالاعتبار، في مواجهة الأزمات الكبرى التي ربما تواجهها بلدانهم.

وكان مؤلفا الكتاب «اخترعا» التعبير المستخدم في عنوان الكتاب، أي «الجسد الاقتصادي»، كنوع من «الموازاة» مع التعبير الشائع المتمثّل في «الجسد السياسي». وجرى اللجوء من قبلهما إلى تحليل دقيق للمعطيات التي أفرزتها الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية الأخيرة .

ووصلا في تحليلاتهما بأشكال مختلفة، على مدى صفحات الكتاب، إلى النتيجة الأساسية القائلة، إن «الاهتمام بصحة وبمتطلبات الجسد الاقتصادي لا تكمن في التقتير بالميزانيات الاجتماعية» بل ان تعزيزها يخدم «النمو الاقتصادي الأسرع والأكبر».

ويتعمد المؤلفان التوقف أيضا عند معاناة الروس بعد انهيار االاتحاد السوفييتي. والبحث في الأسباب الكامنة وراء وفاة أعداد كبيرة من الروس خلال سنوات التسعينيات من القرن الـ20. كذلك محاولة إلقاء الضوء على ظاهرة الانتحار في السويد خلال أزمة بنوكها.

ويمثّل هذا الكتاب في أحد وجوهه، تقييما لما يصفه المؤلفان بـ « الثمن الإنساني للأزمة الاقتصادية والمالية» الأخيرة التي عرفها العالم. وما يجري التأكيد عليه بأشكال مختلفة، أنه كان لتلك الأزمة «أثر هزّة أرضية» بالنسبة لثروة الأمم. لكنهما يشيران إلى عدم الاهتمام بما يكفي، بآثارها على الصحة «الجسدية والعقلية» للبشر.

المؤلفان في سطور

 دافيد ستوكلر، باحث بريطاني. يعمل مديرا للأبحاث في جامعة أكسفورد، كما أنه أحد الباحثين الرئيسيين في مدرسة لندن للاقتصاد.

اما سانجاي بازو، أستاذ في الطب، وهو متخصص في الأمراض الوبائية في مركز الأبحاث والوقاية من جامعات سان فرنسيسكو.

والمؤلفان يوليان اهتمامهما الرئيسي لدراسة الأوبئة في العالم وآليات ظهورها ومسارات انتشارها. ولديهما مساهمات في العديد من الصحف والدوريات البريطانية والأميركية، من بينها «ذي لانسيت» و«الجريدة الطبية البريطانية ــ بريتش ميديكال جورنال».. الخ.