قام مفهوم العلاقات الدولية الحديث في الأصل، من أجل تنظيم العلاقات بين الدول على أساس مبدأ المساواة والاحترام المتبادل. «لكن الواقع يقول شيئاً آخر في عالم اليوم ». هذا ما يشرحه بالتحديد أحد أشهر خبراء العلاقات الدولية الفرنسيين برتران بادي، الذي قدم سلسلة من الكتب خص فيها هذا الميدان بالاهتمام والدراسة، وكذلك في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان «زمن المضطهَدين».
السمات الأساسية التي يرسمها المؤلف في مشهد العلاقات الدولية تتميّز في «اللجوء إلى الحطّ من قيمة هذه الدولة أو تلك ومحاولة وضعها تحت الوصاية والحرص على إبقائها بعيدة عن مراكز القرار وتوجيه النقد لقادتها غدت كلّها بمثابة ممارسات عادية في الممارسات الدبلوماسية»، كما يكتب.
ومن المظاهر التي يؤكّد على بروزها في ميدان العلاقات الدولية في العقود الأخيرة هناك ما يسميه انتشار «دبلوماسية النادي». هذا «النادي» الذي يقصده هو الذي تمثّله تلك المؤسسات والمجموعات التي تشكّلها الدول الكبرى التي تريد أن تفرض رؤيتها وسياستها على العالم أجمع، وعلى رأسها «مجلس الأمن الدولي» و«مجموعة الدول الثماني الكبرى».
مثل تلك «النوادي» التي يرى برتران بادي أنها تمارس واقعيا «اضطهاد» الدول الأخرى، تحاول «حظر» دخول من هم من «غير الأعضاء» إليها. هكذا تجد مجموعة الدول التي يطلقون عليها توصيف «الصاعدة» نفسها مجرّدة في الواقع العملي من أية سلطة حقيقية تمكّنها من التأثير في العلاقات الدولية. ويحدد المؤلف في «خانة» تلك الدول الصاعدة «والمهمّشة في ما يتعلّق بقدرة الفعل بالعلاقات الدولية» أو القيام بـ«مبادرات على الصعيد الدولي»، تركيا والبرازيل والهند. كما يضع في الحالة نفسها من «عدم القدرة على الفعل»، تلك الدولة التي يطلق عليها توصيف «القوّة السابقة»، ويقصد بذلك روسيا.
كذلك يحدد المؤلف القول ان الدول التي تنضوي إجمالا تحت خانة «الصاعدة» أو «القوى القديمة» يبقى الخيار الوحيد المتاح أمامها للمساهمة على مسرح العلاقات الدولية هو أن «تتبنّى الإستراتيجيات» التي تقررها «نوادي الدول الفاعلة» على ذلك المسرح. مع إشارة المؤلف أن مثل تلك الإستراتيجيات هي «غير منتجة في أغلب الأحيان».
ويتوقف طويلا هنا عند مسألتين اساسيتين في تكوين تلك «المصادر» التي ليس أقلّها أهمية بنظره «تعاظم نزعة الثأر في فترة ما بين الحربين العالميتين، الأولى والثانية» و«حالة الفوضى وعدم وجود الضوابط خلال فترة نهاية الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية». وبالتوازي، يشرح برتران بادي أن هناك ثلاثة عوامل أساسية يعتبرها في صلب الأسباب التي أدّت إلى التبدل القائم في ميدان العلاقات الدولية.
العامل الأول يحدده بالدور الجديد الذي يعود اليوم للمجتمعات المدنية في اللعبة الدولية. وعامل آخر يجده برتران بادي في منظومة العولمة الليبرالية السائدة. هذه العولمة فتحت الأبواب عريضة، كما يقول، لعدد كبير من القوى الفاعلة الجديدة على المسرح الدولي. والى جانب زيادة التباين في وزن الدول ودورها، برز أيضا عامل جديد في التبدّل الحاصل على صعيد العلاقات الدولية. ويتمثل ذلك العامل في «ولوج» ثقافات مختلفة على المسرح الدولي.
ومن المسائل التي يؤكّد عليها برتران بادي في مجمل تحليلاته أن هناك أشكالا عديدة تجري حسبها ممارسة «اضطهاد» بعض الدول. هكذا يرى أن تهميش دولة ما أو حشرها في وضعية «الأدنى» يجعلها في حالة «الإحساس بتعرّضها لعدوان عليها». المثال الذي تم تقديمه هو مثال «استبعاد المهزومين من مفاوضات السلام» اللاحقة لهزيمتهم.
ويذكر المؤلف بهذا الصدد أن المرّة الأولى التي ظهرت فيها مثل تلك الممارسة جلية، تمثّلت في «مؤتمر فرساي» بعد الحرب العالمية الأولى. إذ تعمّد المنتصرون «الحلفاء» استبعاد ألمانيا «المهزومة» من اللقاء، وفرضوا عليها «شروطا مذلّة»، الأمر الذي لم يكن بعيدا، حسب مقولة شائعة، عن تحضير الألمان لجولة ثانية، وجدت ترجمتها في الحرب العالمية الثانية.
وشكل آخر لـ«الاضطهاد» يجده المؤلف في عملية «الإهمال» و«عدم إعطاء ما يكفي من الاهتمام» للعديد من النزاعات في هذه المنطقة أو تلك من العالم. هكذا يرى المؤلف أن الملف الفلسطيني على سبيل المثال، لم يلق الاهتمام ذاته، الذي لقيته ملفات أخرى ربما تكون أقل أهمية على المسرح الدولي. وإضافة الى أن مثل هذه الممارسة تتنافى مع مبدأ المساواة الذي تنص عليه قواعد ممارسة العلاقات الدولية.
النتيجة الأساسية التي يصل اليها المؤلف، أن دبلوماسية «الاضطهاد» على صعيد العلاقات الدولية، يمكن أن تثير احتجاجات ربما تكون خطيرة لتهديدها بنسف قواعد حل النزاعات نفسها، عن طريق العلاقات الدولية.
المؤلف في سطور
برتران بادي. أستاذ العلوم السياسية في جامعات باريس. يصفه النقّاد أنه أفضل الاختصاصيين الفرنسيين في مجال العلاقات الدولية. سبق له وقدّم ما يزيد على عشرين كتاباً، غالبيتها في حقل العلاقات الدولية، من بينها: دبلوماسية المحاباة، عجز القوّة.

