من المعروف أن الأزمة المالية والاقتصادية التي انطلقت من الولايات المتحدة الأميركية عام 2008، أخذت بعداً عالمياً شاملاً. بل وعرفت تحوّلاً كبيراً، حيث اكتسبت بالإضافة إلى بعدها الاقتصادي، بعداً سياسياً كبيراً. وكانت القارّة الأوروبية من أكثر مناطق العالم، إلى جانب الولايات المتحدة، تأثّراً بتلك الأزمة التي اعتبرها كُثر أنها بالدرجة الأولى، أزمة البلدان ذات الأنظمة التي يطلقون عليها توصيف «الديمقراطية».

وعالم الاجتماع الألماني وولفغانغ ستريك، الأستاذ في جامعة مدينة كولن بألمانيا ـ كان قد كرّس العديد من أعماله العديدة السابقة للبحث في العلاقة بين الرأسمالية والديمقراطية. وهو يكرّس كتابه الأخير لما يسميه «الزمن المشترى»، كما يقول عنوانه، ذلك على أساس أن الرأسمالية الديمقراطية تعاني من أزمة «مؤجّلة باستمرار» بقصد «كسب الزمن»، بعيداً عن موجات العنف.

ويشير المؤلف، إلى أن الشكوك حول «الجمع بين الرأسمالية والديمقراطية» ليست جديدة.

ويقدّم على مدى العديد من الصفحات الأولى من الكتاب، نوعا من التأريخ للأزمة المالية والاقتصادية الأخيرة التي تذكّر بـ«الكساد الكبير» الذي عرفه العالم الغربي، خاصّة بعد الأزمة الكبرى لعام 1929. ويتوقف عند العديد من المنعطفات الهامة في مسيرة الرأسماليات الديمقراطية التي يحدد القول انها عرفت بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في نهاية عقد الستينيات من القرن الماضي «الأزمة الأولى»، عندما «بدأ التضخّم يزداد بوتيرة متسارعة في العالم الغربي بالتوازي مع تباطؤ النمو الاقتصادي».

ويشرح أنه تعددت سياسات البلدان الأوروبية على الصعيد الاقتصادي، حيث تميّزت سياسة مرغريت تاتشر بتبنّي «النهج الأميركي الذي اتّبعه» آنذاك الرئيس الأميركي رونالد ريغان. وفازت بالانتخابات التشريعية للمرّة الثانية رغم «الزيادة الكبيرة والسريعة» لعدد العاطلين عن العمل، وبانطلاق حركات احتجاج من قبل النقابات العمالية.

واعتبارا من ستينيات القرن الماضي، بدأت «الدينامية» التي آلت في نهاية المطاف إلى الأزمة الكبرى منذ خريف عام 2008 .

وينقل المؤلف عن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، تصريحها ذات مرّة «اننا ــ أي الأوروبيين ــ عشنا جميعاً فوق ما نملكه من إمكانات». ويرد على ذلك بالقول: «إذا كان المقصود بذلك هو أن الدول أفرطت في سياسة اللجوء إلى الاستدانة بسبب سياسيات الدولة المانحة» فإن هذه مقولة «خاطئة».

ويتعرّض المؤلف لشرح الأزمة التي تواجهها العملة الأوروبية الموحّدة «اليورو». ويرى أنه لا يمكن اعتبار «الإفراط في السخاء» من قبل الدول المانحة السبب في تلك الأزمة. بل يرى عكس ذلك، ويعتبر أن القادة الأوروبيين امتلكوا «رؤية ساذجة» لآلية عمل السوق. ولجأوا إلى حلول تقلّص من «البعد الديمقراطي» لمنظومات بلدانهم، ويصل إلى القول ان دعوتهم لـ«الاندماج المعمّق»، هي نوع من إرادة إشادة «دولة سوق موحّدة بدون ديمقراطية».

المؤلف في سطور

 

وولفغانغ ستريك. عالم اجتماع ألماني ويدير مركزاً لدراسات المجتمع في مدينة كولن. درس في فرانكفورت وعمل أستاذاً في جامعة مونستر، ثم اعتباراً من عام 1999، أصبح أستاذ علم الاجتماع في جامعة كولن. من مؤلفاته: إعادة صياغة الرأسمالية، تنوّع الديمقراطية.