تتكرر في السنوات الأخيرة مقولة شائعة مفادها أن الحضارة الغربية التي سادت العالم منذ عدّة قرون هي بصدد أفول نجمها. ولا شك أن مثل هذه النغمة ليست جديدة وأن كتباً كثيرة جعلت من «تقهقر الغرب وانحساره ووصولا إلى القول بسقوطه» قد عرفتها مكتبات العالم في الآونة الآخيرة.
ولعلّ من آخر ما عرفته رفوف المكتبات الغربية حول هذا الموضوع كتابا صغير الحجم من صوتين معروفين عالميا على الساحة السياسية والفكرية هما ريجيس دوبري، المفكّر والفيلسوف اليساري الذي كان قد خاض النضال في أميركا اللاتينية إلى جانب تشي غيفارا وقدّم عشرات الكتب، ورونو جيرار، الصحافي المختص بالسياسة الدولية في صحيفة «لوفيغارو». هذا الكتاب المشترك يحمل عنوان «ماذا بقي من الغرب؟».
وهذا الكتاب بدأ مشروعه في لقاء غير منتظر بأحد المطارات الفرنسية بين الفيلسوف الذي كان يهم للسفر إلى الصين والصحافي الذي كان في طريقه للمشرق. لقد تبادلا الحديث ووصلا إلى طرح السؤال التالي «ما هو الغرب حقيقة؟». وبعد أن افترقا شرع كل منهما يكتب للآخر بعد ذلك في محاولة الإجابة على السؤال الذي طرحاه. وكتاباتهما المتبادلة هي مادة هذا العمل.
هذا الكتاب يتعلق إذن بمستقبل الغرب ومن خلاله مستقبل العالم. ولعلّه، رغم حجمه الصغير، أحد أكثر الأعمال مساهمة في توضيح مختلف جوانب الموضوع الذي يثير قلق الغربيين ويؤرّقهم. ومن السمات الهامة في هذا العمل أن مؤلفيه ينتميان إلى معسكرين سياسيين متعارضين تاريخياً. أحدهما الفيلسوف يساري منذ بداية حياته، والآخر الصحافي هو يميني منذ بداية حياته أيضاً.
ومن هنا بالتحديد تتنوّع وتتباين تجاربهما الحياتية وزوايا نظرهما إلى مختلف القضايا. والإشارة أن كل منهما يعبّر عن آرائه بشكل واضح وبكثير من «الاستقامة الفكرية» التي يؤكّدان أنها مطلوبة عند طرح قضايا مصيرية.
ومن الواضح أيضا أن المؤلفين يظهران الكثير من الاحترام المتبادل في إطار خلافاتهما الإيديولوجية والسياسية، كما يعلنان بدون مواربة. وتتمثل إحدى الأفكار الأساسية التي يطرحها ريجيس دوبريه بالقول جوابا على السؤال الذي يشكّل عنوان الكتاب «ماذا بقي من الغرب؟» ما مفاده: «لم يبق من الغرب سوى إلّا بقايا أمجاد الماضي».
ويكرر ريجيس دوبري القول بأشكال مختلفة أن القوّة الغربية العظمى المتمثّلة بالولايات المتحدة الأميركية عرفت في الواقع سلسلة من الهزائم العسكرية منذ حرب فيتنام حتى اليوم. وأن أوروبا فقدت بوصلة التوجّه بينما ان الصين تستفيق وتنهض. وهذا ما يعبّر عنه بالجملة التالية: «أميركا تحاول أن تتبيّن حقيقة موقعها في العالم وأوروبا تتوه في الدرب والصين تجد نفسها».
وفكرة أساسية أخرى يؤكّد عليها ريجيس دوبري وهي أن الغرب يعمل باستمرار على تصدير نموذجه إلى الخارج تحت عنوان الديمقراطية، ولو كان ذلك بقوّة السلاح. ويشير في هذا الإطار أنه لا يمكن بالتأكيد مقارنة الديمقراطية الغربية بآليات عمل الآنظمة كتلك القائمة في أعماق النيجر، الصين أو روسيا. لكنه يفتح هنا قوسين كي يؤكّد أن الحروب قريبة العهد التي قام بها الغرب كانت كلّها - تقريبا - باسم الدواعي الإنسانية.
المؤلفان في سطور
ريجيس دوبري هو أحد أهم الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين وأحد أكثرهم شهرة على الصعيد العالمي. عمل لفترة مستشاراً لشؤون أميركا اللاتينية لدى الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران قبل أن يترك مهمته ويتفرّغ للكتابة والاهتمام بمسائل دور تقنيات المعلومات. قدّم عشرات الكتب من بينها كتابه الشهير «الثورة في الثورة»، و«عن الفن»، و«حياة الصورة وموتها». أما رونو جيرار هو صحافي وكاتب وعمل مراسلاً حربياً لصحيفة «الفيغارو»، من مؤلفاته «العودة إلى بيشاور» و«العالم يسير».
