يقولون عن كراتشي إنها «باكستان المصغّرة»، ذلك على أساس أنها تعكس مجمل المسائل الكبرى التي تعاني منها الباكستان نظراً للتنوّع الكبير في مكوّناتها السكانية. هذا فضلاً عن أن كراتشي هي أحد أكبر مدن العالم، حيث يبلغ عدد سكانها «واقعياً» ما يقارب العشرين مليون نسمة، هذا في الوقت الذي تقدّم فيه الإحصاءات الرسمية رقم 15 مليون نسمة.

وكراتشي هي موضوع كتاب لوران غايير، الباحث المختص بمنطقة جنوب آسيا والذي أشرف على إدارة عملين جماعيين سابقين عنها. كما يخصّها بعمله الأخير الذي يحمل عنوانا رئيسيا هو «كراتشي»، مع عنوان فرعي جاء فيه «اضطرابات منظّمة والصراع على المدينة».

ويعتبر المؤلف أن كراتشي هي أحد أكثر مدن العالم عنفاً، بسبب النزاعات المستمرّة التي تعرفها منذ سنوات السبعينات في القرن الماضي، العشرين، بين مختلف المكوّنات الإتنية واللغوية والعقائدية. وأصبحت منذ أواسط عقد الثمانينات مسرحا لنزاعات سياسية ولتفشّي الجريمة. ويحدد المؤلف الرهانات الحقيقية وراء ذلك في السيطرة على المدينة وعلى مواردها، المتمثّلة أساسا في أصوات الناخبين ومساحات الأرض والعقارات والنشاطات التجارية والمال..الخ.

بالمقابل يشرح المؤلف على مدى جزء هام من هذا الكتاب أن كراتشي تبقى بمثابة «حجر الزاوية» الأساسي بالنسبة للاقتصاد الباكستاني. وهو يحاول أن يحلّ ما يسميه اللغز، الذي تمثّله هذه المدينة من جهة كون أنها بالوقت نفسه مدينة العنف والجريمة والحرب السياسية.

وتتوزع مواد هذا الكتاب بين تسعة فصول تبدأ بفصل تحت عنوان «أمّ الفقراء» وتنتهي بالفصل الذي يحمل عنوان «شعر الأزمنة المضطربة»، ومرورا بفصول تحمل عناوين ذات دلالة على مضمون الكتاب مثل «المدينة التي تلتقي فيها جميع الحروب»، و«طلبة يتحاربون في الحرم الجامعي»، و«رجل العصابات الذي يريد أن يصبح ملكاً»، و«جغرافيا الخوف»..إلخ.

ويركّز المؤلف على دراسة المشهد في المدينة منذ عقد الثمانينات المنصرم مع تقديم لمحة تاريخية عن المنعطفات والأحداث السياسية الكبرى خلال العقود السابقة. ويؤكّد هنا أيضاً أنه للمشهد السياسي المعقّد في كراتشي إسقاطاته على السياسة الوطنية للبلاد كلّها.

ويشرح المؤلف كيف أن مجموعة من العوامل تزامنت وتواكبت وتداخلت كي تؤدّي مجتمعة إلى قيام المناخ، الذي ولّد المشاكل العديدة التي تواجهها المدينة منذ حوالي ربع قرن من الزمن. ومن خلال هذا كلّه يتم رسم نوع من خارطة العنف «المقيم» في كراتشي. ويتمثل أحد محاور الكتاب في دراسة الأوجه العديدة لذلك العنف والكيفية التي تداخلت فيها.

لكن ما يؤكّد عليه أيضا هو أن هذه العوامل نفسها لم تؤد إلى «إشعال حريق كامل» في المدينة، بل تمتلك إلى جانب بعدها «التدميري»، بعدا آخر يطلق عليه المؤلف بحذر صفة «الخلاّق». ذلك أنها من حيث ما خلقته من منافسات، وتوازنات أيضا، سمحت بوجود أرضيّة للتفاهم. ويتعرّض إلى الصورة التي يرسمها الأدب لذلك العنف.

 هذا ما يشرحه بإسهاب في الفصل الأخير من الكتاب الذي يحمل عنوان «شعر الأزمنة المضطربة»، كذلك يولي المؤلف اهتمامه لدراسة الكيفية التي قارب بها الباحثون الاجتماعيون الباكستانيون ظاهرة العنف في كراتشي.

المؤلف في سطور

لوران غايير هو أحد الباحثين في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ويعمل حالياً في مركز العلوم الإنسانية في دلهي بالهند، وهو أيضاً أحد الباحثين في مركز الدراسات حول الهند وجنوب آسيا في باريس، وسبق له وأشرف مع كريستوف جافرلو على إنجاز كتاب: «الميليشيات المسلّحة في جنوب آسيا»، وكتاب «المسلمون في المدن الهندية».