مثلما هناك لغة أدبية ولغة دبلوماسية ولغة رياضية ولغات عديدة أخرى مختصّة، هناك أيضاً «لغة مالية»، وهذه اللغة تبدو عصيّة على الفهم إلى هذه الدرجة أو تلك، كما تبدو أفكارها معقّدة كثيراً بالنسبة إلى غير المختصّين. المؤكّد أن العاملين في حقل المال والنشاطات المالية يتحدثون في أحيان كثيرة لغة غير تلك التي يتحدثها الناس «العاديّون» في الميدان نفسه.
فـ«كيف نتحدّث عن المال»، هذا هو عنوان كتاب الاقتصادي الأميركي جون لانكستر الذي يبحث فيه ما لا يعرفه الناس عن المال وما يعنيه المال في الحقيقة. تجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب وجد مكانه عدّة أسابيع في قائمة الكتب الأكثر انتشاراً، حسب تصنيف صحيفة «نيويورك تايمز».
ومن الواضح أن اللغة التي يستخدمها المؤلف لا تتوجّه أبداً إلى الباحثين الاقتصاديين المختصّين، ولا إلى العاملين في البنوك والأسواق المالية. وهو يكتب بأسلوب واضح ودقيق، ما يساعد بالفعل على فهم موضوعات «معقّدة»، هذا إلى جانب التأريخ للمادة المعنية منذ ظهورها حتى الوقت الحاضر، وما عرفه معناها من تطوّر من حيث استخدامه.
هكذا مثلاً نعرف أن «استيفاء رأس المال» الذي تمّ استثماره قد ظهر للمرّة الأولى بتاريخ المحاسبة في القرن السادس عشر، عندما احتجّ تجّار البندقية وتوسكانيا في إيطاليا على «تآكل» آلاتهم التقنية.
والإشارة إلى أنه تمّ العثور على آثار تلك الممارسة في عمليات الجرد في القرن السابع عشر. وبعد مسار متعرّج وأشكال متعددة على صعيد الممارسة أصبح معمولاً بها رسمياً باسم القانون، اعتباراً من مطلع القرن العشرين في أوروبا، خاصّة في فترة ما بين الحربين العالميتين من أجل تشجيع الاستثمار، ومما سمح بتحقيق نمو اقتصادي كبير.
ويوزّع المؤلف القرّاء الذين يوجّه إليهم هذا الكتاب بين فئتين: الفئة الأولى تضم القسم الأكبر من الناس، أي أولئك الذين ليس لديهم أيّة فكرة عن الأسباب التي جعلت الاقتصاد العالمي يتأرجح، ويصل إلى حافّة الكارثة عام 2008، ولديهم الرغبة الحقيقية في معرفة ذلك.
الفئة الثانية يحددها بالذين يعتقدون أنهم يفهمون لماذا انهار البنك الملكي الاسكوتلندي بعد عدّة ساعات فقط من توقّف مراكز التوزيع الآلية التابعة له عن منح الراغبين الأوراق المالية المطلوبة. ولا يتردد المؤلف في القول إن الذين ينضوون في إطار هذه الفئة لديهم معارف غائمة في واقع الأمر، في ما يخص المسائل المتعلّقة بآلية الدورة المالية ومنطق الاستثمار.
في الحالتين، تشكّل الأزمة المالية والاقتصادية التي انطلقت من الولايات المتحدة الأميركية في عام 2008، وانتشرت لتطول مختلف مناطق العالم أحد المصادر الأساسية التي تكرر في إطارها استخدام اللغة المالية كثيراً. ومن خلال التعرّض لشرح الأزمة بالاعتماد على اللغة التي تمّ استخدامها للتعبير عن أسبابها ونتائجها ورهاناتها، يكشف المؤلف عن الكيفية التي يعمل على أساسها عالم المال.
المؤلف في سطور
جون لانكستر كاتب وباحث وروائي بريطاني، وأحد المساهمين بانتظام في مجلّة «لندن للكتب»، كما يسهم بالكتابة في عدد من الصحف والدوريات، نال عدّة جوائز أدبية في بريطانيا والولايات المتحدة. من مؤلفاته: «لماذا يستدين الجميع من الجميع، ولا أحد يستطيع السداد»، و«عمّا نتحدّث عندما يكون المترو هو الموضوع».
