يتردد في فرنسا خلال السنوات الأخيرة الحديث عن مسألة «الهوية»، وبالتحديد «الهوية الوطنية»، التي يعتبر كُثر أنها في خطر. ولكن هذه الظاهرة غدت تتجاوز المسألة «الوطنية» وتتجاوز الحالة الفرنسية لتصبح مسألة الهوية بمعنى حق الاختلاف والتمايز عن الآخر، القريب وليس الأجنبي، نوعاً من التوجّه الأيديولوجي الجديد الذي يجد جوهره في «الاختلاف» بصورة عامة عن الآخر. هذا في ظل منظومة «العولمة» الليبرالية السائدة اليوم. وباسم الانتماء إلى محددات لم يتم اختيارها لكن يتم اعتبار أنها ترافق الإنسان طيلة حياته.
الصحفي والكاتب جوزيف ماسي ــ سكارون، مدير تحرير مجلّة «ماريان» الأسبوعية الشهيرة، يشرح هذا الواقع ويطرح المسألة «بوضوح ودون مواربة»، من خلال أسئلة من نوع عمّا إذا كان سيكون مطلوباً في فرنسا مثلاً استبدال «البطاقة الشخصية ــ البطاقة الوطنية» ببطاقة أخرى جديدة أكثر توضيحاً لما يدل على الهوية؟
وهل سينبغي توضيح المعتقد الديني والمذهب والأصول منذ عدّة أجيال؟ وهو يكرّس كتابه الأخير الذي يحمل عنوان «أهواء الهوية المفاجئة» محاولة شرح الظاهرة وتوضيح المؤشرات العميقة لمثل هذه الأسئلة ومخاطرها.
المقولة الأساسية التي يؤكّد عليها المؤلف وينطلق منها في تحليلاته مفادها أن المجتمعات في مختلف مناطق العالم شهدت خلال الفترة القريبة الأخيرة، بالتواكب مع العولمة، نوعاً من النزوع الكبير نحو «رفض الآخر» والانضواء داخل أنماط متنوعة من «الهوية» كانت غائبة إلى حد كبير عن المشهد، حيث كانت تسود الدعوات لـ«المساواة» و«الإخاء» بين جميع البشر. لكن يبدو أن «أهواء الهوية» كانت مجرّد نائمة واستيقظت، كما يشير المؤلف.
التعبيرات الأكثر بروزاً لمثل هذه اليقظة، التي تحوّلت معها المجتمعات المعنية إلى نوع من المختبرات لإنتاج أشكال من انتماءات الهوية، غير الخاضعة للسيطرة إلى هذا الحد أو ذاك، هي بداية طرح أسئلة ملحّة على المستوى الفردي والجماعي. فـ«من أنا؟» أصبح سؤالاً سائداً على المستوى الفردي و«من نحن؟» غدا السؤال على المستوى الجماعي، كما نقرأ.
الجديد والخطير في مثل هذه الأسئلة يحدده المؤلف بأنها تركّز رفضها ليس على الغريب البعيد وإنما على الجار القريب الذي من المطلوب التعايش معه من موقع إنساني، وخاصّة من موقع المواطنة المشتركة في الكثير من الحالات. وهذا كلّه يجري باسم الهويّة التي يتمّ في هذا السياق شرح مدلولها اللغوي.
من الظواهر التي يشير لها المؤلف بأشكال مختلفة في هذا الكتاب هناك الميل إلى التعميم ووضع البشر في خانات وأطر شاملة ومحدِدة بطبيعتها دون عناء البحث عن كل ما يميّز بين البشر تبعاً لحياتهم وأوضاعهم الاقتصادية ومساراتهم الثقافية والمعرفية، وغير ذلك مما يجعل الفرد قيمة بحد ذاته. ويكرّس مؤلف هذا الكتاب العديد من صفحاته للحديث عن تنامي مشاعر الانتماء إلى الهوية العقائدية، الدينية، في الفترة الأخيرة.
المؤلف في سطور
جوزيف ماسي سكارون، صحفي وكاتب وروائي فرنسي. درس التاريخ وعلوم السياسة، من مؤلفاته: «مجرّة بار» والمقصود هو ريمون بار، رئيس وزراء فرنسا الأسبق. و«مونتين، فيلسوفنا الجدي»، وغيرها.
