العلاقات التركية الفرنسية قديمة ووثيقة منذ قرون عديدة، بل أن العلاقات الدبلوماسية بينهما هي أحد أقدم علاقات البلدين على الصعيد العالمي في هذا المضمار. ذلك أنها تزامنت مع الحقبة العثمانية ثم استمرّت مع تركيا بعد سقوط الإمبراطورية في نهاية الحرب العالمية الأولى.

 هذه العلاقات الفرنسية التركية هي التي يدرسها غونيز ازيكسل وايمانويل زوريك، الباحثان الجامعيان، من الزاوية الثقافية في كتابهما الذي يحمل عنوان «أتراك وفرنسيون، تاريخ ثقافي 1860 ــ 1960».

ويشير المؤلفان في استعراضهما السريع بداية لتاريخ العلاقات الفرنسية - التركية أنها تعود، بما في ذلك في نسختها الدبلوماسية، إلى نهايات القرن الخامس عشر وحيث لم تنقطع بعد ذلك سوى لثلاث سنوات (1798 -1801 ) أثناء حملة نابليون بونابرت على مصر، إضافة إلى فترات الحروب. وكان أول سفير للإمبراطورية العثمانية قد وصل إلى فرنسا عام 1484.

وفي معرض حديث المؤلفين عن العلاقات الثقافية الفرنسية التركية يؤكّدان من جهة على عمق هذه العلاقات، ومن جهة أخرى على أنه، رغم الثراء الكبير التي تتميّز فيه هذه العلاقات، فإنها ليست معروفة إلاّ من خلال بعض أصحاب الأقلام على الطرفين.

نموذج إمبراطوري

ومن السمات الرئيسية التي يتم التأكيد عليها في هذا الكتاب بالنسبة للعلاقات الثقافية الفرنسية التركية خلال الفترة المدروسة هو أنها كانت في غاية التعقيد، نظراً للوضع السياسي والاجتماعي المعقد بالنسبة للبلدين، حيث تمّ الانتقال في الحالتين من النموذج الإمبراطوري إلى النظام الجمهوري.

وكان المؤلفان قد حددا عام 1960 كبداية الفترة التي يدرسانها في العلاقات الثقافية الفرنسية التركية فإن ذلك يعود لكون أن تركيا قد شهدت في تلك السنة قيام انقلاب أدّى إلى تحوّل كبير في النهج العثماني.

والإشارة في هذا الإطار أن فرنسا تقاربت مع الإمبراطورية العثمانية في ذلك السياق، حيث تحالفت معها في حربها ضد روسيا في حرب القرم خلال سنوات 1853 - 1856، وكانت معاهدة باريس لعام 1956 قد وضعت نهاية لتلك الحرب.

بالتوازي مع الموقف السياسي الفرنسي كانت أفكار عصر التنوير الفرنسي قد لاقت ترحيباً كبيراً لدى النخب المثقّفة العثمانية ثمّ التركية. هكذا يشرح المؤلفان بإسهاب التأثير الذي مارسته الثقافة الفرنسية على ثقافة النخب العثمانية في نهايات القرن التاسع عشر واستمرّ ذلك التأثير خلال الحقبة التركية.

مؤشرات

ومن المؤشرات التي يرى فيها المؤلفان دليلاً على ذلك إشادة أوّل مدرسة ثانوية في «غالاتازاراي» عام 1868 بأمر من السلطان عبد العزيز بعد زيارته إلى فرنسا في العام السابق 1867، تلبية لدعوة من نابليون الثالث لحضور المعرض العالمي، وإعجابه الشديد بالنظام التعليمي الفرنسي.

وتتم الإشارة أن التعليم في تلك الثانوية العثمانية كان يتم حصراً باللغة الفرنسية. كما تمّ اعتبارها من قبل الكثيرين آنذاك كـ «نافذة مفتوحة على الغرب»، حيث إنها شاركت في تكوين النخب الإصلاحية للإمبراطورية وكذلك النخب التي ستساهم فيما بعد بفعالية كبيرة في تنفيذ السياسات التي تبنّاها مصطفى كمال اتاتورك.

ومن التيارات الفكرية والفلسفية التي يرى المؤلفان أنه كان لها تأثيرها على صعيد صياغة الفكر السياسي لدى النخب العثمانية والتركية.

تركيا الفتاة

ويحدد المؤلفان القول ان المجموعات التي انضوت في إطار حركة «تركيا الفتاة» وجدت المصادر الأساسية لنهجها الأيديولوجي في المصادر الغربية عموماً والفرنسية بشكل خاص. لكن التكريس الفعلي في الواقع السياسي التركي لذلك النهج الأيديولوجي تمثّل في الدولة الحديثة التي أشادها مصطفى كمال أتاتورك، حسب النموذج الغربي.

ويضيف المؤلفان في نفس السياق أن تلك الحركة في التبادل الثقافي لم تكن حصرا على الأتراك والفرنسيين، بل ساهمت فيها أيضا مجموعات أخرى مثل الأرمن والأكراد وغيرهم. وفي محصّلة التحليل يعتبر المؤلفان أن «الحضور الثقافي الفرنسي» في الإمبراطورية العثمانية عرف ذروته في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وتحديداً حتى نشوب الحرب العالمية الأولى علم 1914.

وكذلك يشرحان أن ذلك الحضور، الذي يبدو اليوم كذكرى بعيدة، كان في إطار ازدهار مجال فرنكفوني، امتدّ من أوروبا الوسطى حتى منطقة شرق البحر الأبيض المتوسّط. هذا إلى جانب التأكيد باستمرار أن تركيا كانت الحلقة القويّة فيه.

ما يؤكده المؤلفان أيضاً أن جميع المنتجات الثقافية الفرنسية من الشعر والفلسفة وكتب الطب وأشياء الأزياء - الموضة - والصحف والدوريات والفرق المسرحية القادمة من فرنسا لم يتم استقبالها كلّها في أي مكان في العالم بنفس الحماس والحفاوة كما في تركيا العثمانية وتركيا «التركية» أو على «ضفاف البوسفور» حسب تعبير المؤلفين.