عاش العالم خلال عقود طويلة حالة انقسام بين معسكرين كان الاتحاد السوفييتي السابق يتزعّم أحدهما الذي عُرف بتوصيفات الشرقي أو الاشتراكي أو الشيوعي، ثمّ كان الحدث الكبير الذي شهدته ألمانيا في مطلع شهر نوفمبر من عام 1989، والمتمثّل بسقوط جدار برلين الذي تبعه سقوط الاتحاد السوفييتي ومعسكره.

لقد صدرت مئات الكتب والدراسات التي جعلت من انهيار الاتحاد السوفييتي السابق ونهاية الحرب الباردة ونتائج ذلك على الصعيد الدولي وبروز الولايات المتحدة كقوّة عظمى وحيدة في العالم وعلى العلاقات الدولية وحول المستقبل الروسي موضوعاً لها.

وفي مثل هذه السياق يصدر كتاب سيرهي بلوخي، أستاذ التاريخ الأوكراني في جامعة هارفارد الأميركية الذي يحمل عنوان «الإمبراطورية الأخيرة»، ويعود فيه للحديث عن «الأيام الأخيرة في حياة الاتحاد السوفييتي» السابق، كما يشير العنوان الفرعي للكتاب.

لقاءات عاصفة

إن سيرهي بلوخي «يصطحب» قارئه إلى تلك السلسلة الطويلة من الاجتماعات الخاصّة التي جرت طيلة أشهر ستة من عام 1991 الذي شهد تفكك الاتحاد السوفييتي السابق. لقاءات عاصفة، حسب التوصيف المقدّم، بين بوريس يلتسين وميخائيل غورباتشوف ولقاءات «للتشاور والتأمّل»، بين قادة الجمهوريات السوفييتية السابقة ..

وعلى رأسها أوكرانيا وقزخستان وبيلوروسيا حول طبيعة الدور الذي سيكون عليهم أن يلعبوه في العالم الجديد الذي كانت ترتسم ملامحه. يتم التركيز في هذا الإطار على شرح المواقف «المتناقضة»، التي اتسمت بها سياسة العديد من الجمهوريات السوفييتية «بما في ذلك أوكرانيا» وما كان له أثره في المسار الذي آلت إليه الأمور.

وفي جميع تلك الحالات لم تكن الدسائس قليلة، كما يشرح المؤلف. وفي جميع الحالات أيضا لم تكن الانتماءات الإثنية ومسائل الزعامة في الاتحاد السوفييتي السابق غريبة عمّا كان يجري في العلن..

وخاصّة في السرّ. ويتم في نفس الإطار تقديم نبذة سريعة عن المسار الذي عرفه الاتحاد السوفييتي منذ تشكّله وبلوغه ذروة قوته بعد الحرب العالمية الثانية وقمّة يالطة بين ستالين وتشرشل وروزفلت لرسم خارطة جديدة لأوروبا ثم مسيرة انحداره وصولاً إلى سقوطه.

نهاية التاريخ

ومن المسائل الأساسية التي يوليها المؤلف اهتمامه في هذا الكتاب العودة إلى رهانات الحرب الباردة وإلى الأسباب البعيدة والعميقة التي أدّت إلى انهيار الاتحاد السوفييتي الذي كان بعد الحرب العالمية الثانية أحد القوتين العظميين في العالم، بينما كانت الولايات المتحدة الأميركية هي القوّة الأخرى.

ومن خصوصية هذا الكتاب أن مؤلفه ليس أميركياً وبالتالي لا يذهب في المنحى التي ذهبت إليه أغلبية التحليلات الأميركية التي يؤكّد أصحابها أن الولايات المتحدة الأميركية قد انتصرت في الحرب الباردة على «إمبراطورية الشر»، التي كان يجسّدها الاتحاد السوفييتي السابق.

وهو بعيد جدا عن مقولات مثل تلك التي رددها المفكر الأميركي ذو الأصل الياباني فرنسيس فوكوياما عن الانتصار الكامل والأبدي للرأسمالية على المنظومة الاشتراكية وبالتالي يمكن الحديث عن «نهاية التاريخ». «إن الأمور أكثر تعقيداً»، كما يؤكّد المؤلف.

كذلك تجد الأحداث التي تشهدها أوكرانيا اليوم مكانها في اهتمام المؤلف. ذلك خاصّة من خلال البحث في الدور الذي لعبته أوكرانيا في سقوط الإمبراطورية السوفييتية وفي تفككه في مطلع عقد التسعينيات من القرن الماضي، العشرين. وأيضا من خلال الخوض في المسائل المتعلقة بشبه جزيرة القرم حيث توجد أغلبية سكانية من أصول روسية.

ويبقى هناك قسم أساسي من صفحات هذا الكتاب مكرّس لتحليل الأحداث المعقّدة، التي عرفتها الأشهر الأخيرة من حياة الاتحاد السوفييتي، وبالتحديد على ضوء المواقف الأميركية والدور الذي لعبه البيت الأبيض والأجهزة السريّة الأميركية في انهيار الإمبراطورية السوفييتية.

ويشرح المؤلف أن سياسة الولايات المتحدة خلال تلك الفترة اتسمت بقدر كبير من «التناقضات». ومن بين تلك التناقضات القول إن جورج بوش الأب كان لا يريد سقوط غورباتشوف أو انهيار الاتحاد السوفييتي.