يعيش العالم اليوم عصر الثورة الرقمية بكل ما ترتب عليها في سلوكيات البشر وعلاقاتهم مع العالم وفيما بينهم. لقد انتهت الحقبة التي كان يسرع فيها المسافرون عند وصولهم إلى الوجهة التي يقصدونها لشراء بطاقة بريدية يرسلونها إلى ذويهم أو لمن يريدون .

تلك الحقبة، رغم قربها الزمني، تكاد تكون قد أصبحت من «متاع الماضي». هذا هو على الأقل ما يشرحه الصحفي والكاتب البريطاني سيمون غارفيلد في كتابه الذي يحمل عنوان «حرفياً»، الذي يكرّسه للحديث عن «عالم بصدد الزوال»، مثلما جاء في العنوان الفرعي.

في البداية يشرح المؤلف كيف أن «المراسلات» كانت لفترة طويلة من الزمن أحد أنواع الكتابة «الرائجة» في عالم الأدب، كما يدل العدد الكبير الذي تركه مبدعون كبار منها بالإضافة إلى سلسلة الكتب الطويلة التي جعلت من المراسلات بين شخصيات معروفة من شعراء وقادة حربيين ورجال سياسة وعاشقين وغيرهم موضوعا لها.

ويربط سيمون غارفيلد بين التبدّل الكبير الذي عرفته حياة البشر وطبيعة علاقتهم بالزمن - الوقت - في ظل التقدم التكنولوجي الكبير الذي عرفته العقود الأخيرة المنصرمة. ذلك التبدّل تمّت «ترجمته» في نمط حياة جديد يقوم بشكل رئيسي على مفهوم الاستهلاك.

ويركّز المؤلف على القول أن تراجع مكانة الرسائل وغيابها عمليا من ساحة التواصل بين أغلب الشرائح الاجتماعية، وخاصّة الشباب، إنما ستكون لها آثارها على مشارب أخرى من الكتابة مثل كتابة السيَر. ذلك أن الرسائل، وعبر طبيعتها في التعبير عن حقيقة مشاعر وشخصيّة كاتبها، هي أكثر أهمية حتى من كتب السيرة الذاتية التي تهتم بـ«صناعة صورة صاحبها». الرسائل، على العكس، تقدّم «صورة» أكثر «مصداقية» عن محررها في أغلب الأحيان.

ولا يتردد سيمون غارفيلد في التأكيد ان مستقبل «فن الرسائل»، كأحد أنواع الكتابة الأدبية ، وكوسيلة للتعبير عن المشاعر خاصّة، وعن النفس عامّة، هو بالأحرى مستقبل قاتم. ولا يتردد أيضا بتوجيه أصابع الاتهام إلى شبكة الانترنت ومختلف ثمرات الثورة التكنولوجية الرقمية.

ويتوقف المؤلف طويلا عند ما يسميه «فترة الحداد» على «الانطفاء البطيء جداً» لفن الرسائل «المكتوبة بالمداد والعواطف المنثورة على الورق». وهو حداد طويل حيث يعيد بداياته إلى ما قبل تدخل الآلة وثمرات الثورة الصناعية الكبرى في مجال التواصل بواسطة الهاتف ثم الفاكس ووصولا للرسائل الإلكترونية.

إن المؤلف يرى في هذه الثورة الرقمية، وخاصة في الرسائل الالكترونية منعطفا فاصلاً في تاريخ كتابة الرسائل. تلك الرسائل الالكترونية بدأت في نهاية عقد الستينات من القرن الماضي عندما حاول بعض العاملين قي حقل المعلوماتية جعل حاسوبين «كل منهما بحجم البرّاد، الواصل فيما بينهما عبر مسافة تفصل بينهما هي 350 ميلاً». ويتوقف المؤلف طويلا عند الدور الذي لعبه راي تمنلسون الذي يلقبه بـ«عبقري المعلوماتية»، الذي كان وراء استخدام رمز @ للفصل بين ما هو شخصي في الرسائل الالكترونية وما هو عالمي.

ويفتح المؤلف قوسين كي يشير إلى نوع من اليقظة التي عرفها فن الرسائل في القرن للعشرين خاصّة عندما شهدت رفوف المكتبات العديد من الأعمال التي كانت مادتها الأولّية هي الرسائل الصادرة من بعض المشاهير أو المتبادلة بينهم. ورسائل عن الصداقة والشجاعة والانفعالات وغير ذلك من مناقب البشر واهتماماتهم. تجدر الإشارة أن المؤلف يكرّس فصلا في الكتاب لمسألة «بيع الرسائل بالمزاد العلني» ،ومن بينها بعض كتابات نابليون.