عرف القرن العشرون دراسات كثيرة وسلسلة طويلة من الكتب التي جعلت من دور الأم في الأسرة موضوعاً لها. ولكن السنوات الأخيرة شهدت اهتماما خاصا بالبحث عن مكانة الأب. هذا في الوقت الذي تسود فيه في الغرب فكرة مفادها أن الأب قد فقد سلطته ليصبح بمثابة «الشريك المهمَل»، الذي يبحث عن «استعادة سلطته ودوره في الأسرة».
ومن بين الكتب الصادرة أخيراً عن مكانة الأب في الأسرة بالعالم الغربي عموماً هناك كتاب الصحفي العلمي والأب لخمسة أطفال بول ريبورن، الذي اختار عنواناً لكتابه السؤال التالي: «هل للأب مكانة؟».
والإجابة التي يقدمها هي «نعم للأب مكانة» في غاية الأهميّة بالنسبة للأطفال وبالنسبة للأسرة واستقرارها، ويدلل على إجابته بالاعتماد على آخر المكتشفات والبحوث في المجالات ذات الصلة وفي مقدمتها علم النفس وعلوم الحياة - البيولوجيا - والعلوم العصبية. وهو يحاول إجمالاً الإجابة عن السؤال التالي: ماذا يعني بالدقة الآباء لأطفالهم؟.
هذا مع الإشارة بداية إلى أن الباحثين والأخصائيين بمسائل الأسرة وتربية الأطفال قد أهملوا أهمية الأب، بل تمّ اعتباره من قبل بعضهم حتى سنوات السبعينات المنصرمة أنه «يملك الكثير من النوايا الحسنة»، ولكن دوره في تربية الأطفال «هامشي».
ولا يتردد المؤلف في أن يعتبر أن إهمال دور الأب يشكل النقطة السوداء الكبرى، على القرن الأول من علم النفس. والتأكيد في هذا السياق أن الدراسات المتعلّقة بالأب وأهميته ودووه بالنسبة للأطفال «لا تزال في بداياتها». يكتب المؤلف: «إن اكتشاف الأب هو أحد أهم التطورات في مجال دراسة الطفل والأسرة».
الفصول الأولى من الكتاب مكرّسة بشكل خاص للتنقيب عن الأسباب العلمية والبيولوجية التي تصب في البرهان على أهمية الآباء في النمو العقلي والنفسي لأبنائهم.
هكذا يشير مثلاً إلى مجموعة من الدراسات التي توصلت إلى نتيجة مفادها أن تغيرات «هرمونية» تستجد لدى الرجل خلال فترة حمل زوجته، مما يشكّل مؤشرا واضحا إلى بداية اهتمامه بالطفل القادم. وينقل المؤلف عن أخصائيين بعلم النفس أنه عندما تصاب الأم أثناء فترة الحمل بحالة من الاضطرابات النفسية يظهر نفس الأثر السلبي لدى الأب.
كذلك يشير بول ريبورن إلى المساهمات التي قدّمتها باحثة في جامعة كارولينا الشمالية، هي لين فيرنون ــ فيغانس، وقدمّت البراهين على أن للأب دوراً حاسماً في اكتساب الأطفال للغة. كذلك تأكيدها أن الآباء يساهمون بدرجة أكبر من الأمّهات في «إثراء القاموس اللغوي لدى الأطفال الصغار».
مؤلف هذا الكتاب يمزج في تحليلاته عن مكانة الأب في الأسرة الحديثة بين العلم والتاريخ، لكن دائماً في منظور المستقبل، كما يشير بأشكال مختلفة. والخطوة الأولى التي يؤكّد عليها تتمثّل في دفع الآباء، خاصّة الجدد، إلى التعرّف عمّا يقوله العلم حول «أهميتهم» بالنسبة لأطفالهم.
