قدّم الباحث الفرنسي في مجال الجغرافيا الاجتماعية كريستوف غويلي في عام 2010 كتاباً تحت عنوان «الشروخ الفرنسية» أثار ضجّة كبيرة ولقي ترحيباً كبيراً من قبل النقّاد كما من رجال السياسة الفرنسيين من معسكري اليمين واليسار واستقبل رئيس الجمهورية المؤلّف للبحث معه في أطروحاته حول تلك «الشروخ».
واليوم يعود كريستوف غويلي للحديث من جديد حول «فرنسا الهشّة»، كما يصف تلك المناطق البعيدة عن المدن الكبرى ويعتبر سكانها ضحايا العولمة، كما يشرح في كتابه الذي يحمل عنوان «فرنسا الهامشية»، بمعنى البعيدة عن المركز، وعن دائرة الاهتمام، والتي يستخدم المؤلف كثيرا في توصيفها أنها «فرنسا غير المرئية»، تلك التي لا تحظى باهتمام النخب بشتى مشاربها.
المؤلف يستخدم في تحليلاته ما يسميه مؤشّر الهشاشة الاجتماعية بالنسبة لمجمل المناطق الفرنسية، اعتمادا على واقع معطيات تتعلّق بنسبة العمّال والمستخدَمين من السكان والعمل الهش والبطالة وتوزيع الدخل وطبيعة السكن. النتيجة الرئيسية التي يخلص إليها هو أن فرنسا اليوم بعيدة تماما عن تلك الفترة التي تُطلق عليها تسمية «الثلاثينات المجيدة» من ستينات إلى ثمانينات القرن الماضي.
من النقاط الأساسية التي يؤكّد عليها مؤلف هذا الكتاب هو وجود حالة من «الطلاق» بين ما يسمّى بمعسكر اليسار بكل فصائله وبين الطبقات الشعبية في فرنسا. ويحدد القول إن الرابحين من العولمة تركّزوا في المدن الفرنسية الكبرى..
بينما تمّ «استبعاد المنبوذين من مسيرة التقدّم نحو المحيط» ليشكّلوا ما يقصده بـ«فرنسا الهامشية». يركّز المؤلف على القول ان هذه أيضا سابقة في التاريخ. نقرأ: «للمرّة الأولى في التاريخ لا تتواجد الطبقات الشعبية حيث يتم إنتاج الثروة. ذلك أن 60 % من السكان لا يتواجدون حيث تُنتج الثروة».
ومن الأخطاء الكبرى التي يؤكّد عليها المؤلف لدى النخب هو أن الكثيرين منها ممن يعيشون ميسورين جدا في المدن الكبرى يعتقدون أن المسألة الاجتماعية الأكثر إلحاحا هي تلك التي تتعلّق بالأحياء المحيطة بالمدن الكبرى والتي تعود نسبة كبيرة من قاطنيها إلى أبناء الهجرة وللمهاجرين.
ما يوضّحه المؤلف هو أن «الضواحي المحيطة بالمدن الكبرى ليست هي المنسية أكثر من غيرها»، بل هناك أعداد كبيرة من العاملين من «أصول غير مهاجرة أو من مهاجرين قدماء وجدوا أنفسهم على الهامش بسبب التدهور الاقتصادي، وخاصّة الصناعي منه. والإشارة أنه إذا كانت النخب لا ترى هؤلاء فإن هذا لا يعني أنهم، ليسوا موجودين».
ويشرح المؤلف أنه خلال عدّة عقود سمحت العولمة لمجموعة من النخب «اندمجت في الاقتصاد المعولم» بجني الكثير من المكاسب، من خلال عمل هادئ ومنهجي، وابتعدت عن فئات تمثل أغلبية الفرنسيين غدت «غير مرئية» على اعتبار أنها غير مفيدة في النموذج الاقتصادي الجديد، المعولم. والتركيز في هذا السياق أن هذه الفئات الشعبية لا تزال تشكّل الأغلبية في البلاد، لكن جرى إبعادها إلى مناطق بعيدة ومنسية.
