يحظى علم التاريخ اليوم باهتمام كبير في فرنسا والغرب عموماً. وتثار الكثير من النقاشات حول المسائل المتعلّقة بكتابته وخاصّة فيما يتعلّق بالحقبة الاستعمارية. ومن الكتب الأخيرة في هذا المجال كتاب أستاذ في جامعة السوربون كريستوف شارل، الذي يحمل عنوان: «الإنسان التاريخي»، ويقدّم فيه مؤلفه على مدى الـ320 صفحة التي يتألف منها ما يسميه «تأمّلات حول التاريخ والمؤرّخين والعلوم الاجتماعية».

يتم توزيع محتويات هذا الكتاب في ثلاثة أقسام رئيسية. القسم الأول منها مكرّس للقيام بنوع من البحث الميداني عن واقع رهانات وحدود وآفاق مهنة «التأريخ»، في بلد مثل فرنسا. وفي القسم الثاني يقدّم المؤلف مجموعة من «التأمّلات»، حول المشاكل المطروحة على كل ما يعلّق بممارسة مهنة التأريخ. أما القسم الثالث والأخير فإن المؤلف يستعرض فيه أعمال ومناهج عمل بعض المؤرّخين والمدارس التاريخية، مثل «مدرسة الحوليات»، التي تأسست في ثلاثينات القرن الماضي.

مسافات نقدية

الملاحظة الأولى التي يبديها المؤلّف في تأمّلاته حول التاريخ هي أنه هناك الكثير من المستلزمات «غير المرئية غالبا أو اللاواعية»، التي ترمي بثقلها على العمل التاريخي.

وفي مقدمة تلك المستلزمات صعوبة أخذ «مسافة نقدية» حيال ما يفرضه المجتمع وكذلك حيال العلوم الاجتماعية الأخرى. كما تلعب السياسة هنا دورها بحيث تتم بين الفترة والأخرى محاولة بعض السياسيين للدفع نحو «إعادة النظر» في التاريخ الاستعماري باتجاه إعطائه «دوراً أكثر إيجابية».

ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في توجيه نقده الشديد لما يسمية «الرؤية الكارثية» للتاريخ ولمكانته السائدة في فرنسا والحديث منذ عقدين من الزمن عمّا يتم التعبير عنه بـ«أزمة التاريخ»..

وهو يقدّم رؤية أكثر «تبايناً»، ويحدد القول إن السمة الأكثر بروزاً في العمل التاريخي هو أن عدد العاملين في قطاع التاريخ على مختلف المستويات من أساتذة هذه المادة في المدارس الثانوية والجامعات حتى الباحثين والمؤرّخين بالمعنى الدقيق للكلمة قد تضاعف في فرنسا أربع مرّات منذ أواسط القرن العشرين حتى سنوات التسعينات من نفس القرن.

تنوع المضمون

وعلى نفس الصعيد الكمّي يشير المؤلف أن عدد المطبوعات المختصّة في مجال التاريخ من مؤلّفات ودراسات ومقالات تضاعفت في نفس المدّة الزمنية لتبلغ في عام 1992 ما يزيد على 15000 مطبوعة مقابل ثمانية آلاف في سنوات الخمسينات المنصرمة. والإشارة أن الزيادة لم تكن على صعيد الكمّ فحسب، لكنها تواكبت مع تغيّر كبير في تنوّع المضمون..

حيث برز الاهتمام في المسائل المتعلّقة ببنية المجتمعات وآليات عملها بينما كانت تتركّز في الماضي على الفتوحات والروايات ذات الطابع السياسي والعقائدي. إضافة إلى التطرّق لمواضيع جديدة إلى هذه الدرجة أو تلك مثل اهتمام المؤرّخين بتاريخ الأسرة والعلاقات الإنسانية. كذلك يتم التأكيد في هذا السياق على إعطاء أهمية أكبر للتاريخ الاجتماعي مثل «تاريخ النخب» والمثقفين والجامعات وتاريخ مختلف الظواهر الاجتماعية والكيفية التي تطوّرت فيها.

والإشارة أيضاً في هذا السياق أن العلوم الإنسانية طوّرت بالتوازي نظرتها للبحث التاريخي، حيث تمّ تدريجيا تجاوز التعارض الذي كانت تقيمه في فرنسا العلوم الإنسانية بين «التاريخ الاجتماعي»، و«التاريخ الاجتماعي - الثقافي». ذلك على غرار «التجديد»، الذي كانت قد عرفته كل من الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة، بريطانيا.

لكن ذلك لا يمنع واقع أن انفتاح التاريخ على علم الاجتماع ظلّ متواضعا ومتأخّرا في فرنسا، كما يشرح المؤلف. ويضيف أن المؤرّخين الفرنسيين ابتعدوا مثلا عن الأفكار التي قدّمها عالم الاجتماع الفرنسي الشهير عالميا بيير بورديو مع أنها، كما يشير مشرّبة بالتاريخ. تجدر الإشارة أن بورديو كان قد اختار عنوان «الإنسان الأكاديمي» لأحد كتبه.

يركز المؤلف على القول بأشكال مختلفة إن المؤرّخين الفرنسيين لا يزالون في بدايات هذا القرن الحادي والعشرين يتبنّون عامّة تقسيم التاريخ الإنساني إلى أربعة مراحل تمتد من الحقب القديمة حتى اليوم. ويرى أن مثل هذا التقسيم يحتوي على نقطتي ضعف أساسيتين. فمن جهة «يقلل من واقع الاستمرارية» بين الحقب، ومن جهة أخرى يقلل من أهمية القطيعات «التي عرفها التاريخ الإنساني».

بالتوازي يعاني التاريخ في فرنسا من عدم اللجوء بدرجة كافية إلى المقارنة مع الانتاج التاريخي العالمي. والتخلّي عن مهمّة تحليل المسار التاريخي العالمي الشامل للعلوم الإنسانية الأخرى بينما من المفروض أن تكون تلك المهمّة في مقدّمة أولويات العمل التاريخي. ويركّز المؤلف بالتوازي على أهمية «التأمّل التاريخي النظري من جهة» و«البحث في طرق كتابة التاريخ» من جهة أخرى.

ولا يتردد في النتيجة بالقول ان هناك الكثير من «النواقص» في الدراسات التاريخية بالوقت الراهن. وليس أقل هذه النواقص أن التاريخ الاقتصادي والمسائل المتعلّقة بالسكان «الديموغرافيا» لا يتم أخذها بكثير من الاعتبار من قبل المؤرّخين الفرنسيين اليوم.