من المعروف أن الحمام الزاجل مأخوذ بالعودة إلى الموقع الذي انطلق منه. ومن الثابت أن النحل يبتعد أحياناً كيلومترات عن خليته ويعرف دون عناء العودة إليها. بل وأكثر من ذلك تدل دراسات عالم اللغوية دو سوسور منذ بدايات القرن العشرين أنه يمكن لنحلة أن تدلّ أخرى على زهرة تبعد كيلومترات. وبعض أنواع الأسماك تعبر المحيطات وتعود إلى «ديارها» في البحار التي انطلقت منها. والأمثلة عن نفس المنحى عديدة.
إن أستاذ علوم الحياة في جامعة فيرمونت الأميركية، والاختصاصي ذا الشهرة العالمية في مجال دراسة سلوك الحيوانات والحشرات بيرند هنريش يكرّس كتابه الأخير في سلسلة طويلة من الأعمال التي كرّسها لموضوع اهتمامه. يحمل الكتاب عنوان «غريزة اللجوء إلى الديار»، وهو يبحث فيه عن دلالة هجرة الحيوانات وأسرارها.
ويحدد المؤلف موضوع كتابه بالجملة التالية: «الهجرة نحو مكان ملائم للعيش والتناسل وجعله يستجيب لحاجاتنا، هذا إلى جانب الإحساس بالانتماء إليه. هذا مع محاولة الإجابة على السؤال التالي: كيف ولماذا تمّ التوجّه نحو البحث عن مكان ملائم لدى البشر، وقبلهم لدى عالم الحيوان بكل أنواعه؟».
ويشرح المؤلف أن ظاهرة «الهجرة» مألوفة لدى العديد من الأصناف الحيوانية من الطيور إلى العديد من أنواع الحيوانات البريّة والبحرية. لكن بالمقابل هناك باستمرار «غريزة العودة إلى الديار».
وتتم الإشارة بداية أن جميع البشر تقريبا يعرفون الطيور المهاجرة وترتبط في أذهانهم بدورة الطبيعة وتعاقب الفصول. ولكنهم يجهلون جميعهم تقريبا كيف تصل بدقّة كل عام إلى هذا المكان أو ذاك وإلى أمكنة محددة بعينها.
ولعلّ التوصيف الأكثر ملاءمة لهذا العمل هو أنه عن «الهجرة» و«عودة المهاجرين إلى ديارهم، أو على الأقل » رغبتهم الدائمة في العودة إلى تلك الديار. وبالوقت نفسه هو نوع من محاولة قراءة السلوك الإنساني على ضوء سلوك العالم الحيواني. وبالتوازي هو بحث في «الدلالة المركزية والهامّة لمفهوم الدار، المنزل، الوطن» بالنسبة للبشر.
ويدل المؤلف بأشكال مختلفة أن أحد مقاصد الكتاب هو التأمّل بنوازع وغرائز البشر من خلال عالم الحيوان. فجميع الحيوانات، والبشر أيضا، يتوقون باستمرار إلى العودة لـ«الديار» بدافع غريزة اللجوء..
ومن المعروف أن أسماك السلمون تتعرّف بسهولة على طريق العودة إلى البحار أو البحيرات التي وّلدت فيها بينما أن سمك السلّور - الأنقليس أو حيّات البحر - تتوالد في المحيطات ثم تمضي حياتها في الأنهار قبل العودة إلى المحيطات للتوالد فيها. وأنماط سلوك من نفس الطبيعة تعرفها أصناف أخرى من الحيوانات.
المؤلف في سطور
ريشارد بيليفو، طبيب وأستاذ في مجال الطب ويحظى بشهرة عالمية معترف بها في مجال الوقاية من الأورام السرطانية ومعالجتها. وهو المدير العلمي لهذا المجال في جامعة كيبيك بمونريال في كندا. وأستاذ الجراحة فيها. سبق له وقدّم كتابا تحت عنوان «أغذية ضد السرطان».
يساهم في هذا الكتاب دونيس جينغراس الطبيب والباحث المختص بالأمراض السرطانية.
