يتردد على الأسماع اليوم أننا نعيش في عصر السرعة. ليس السرعة فقط، بل نحن في حالة «هرب مستمر إلى الأمام» في أجواء التسارع المتعاظم التي يفرضها عصر الحداثة. هذا ما يشرحه عالم الاجتماع والفيلسوف الألماني، الأستاذ في جامعة فريدريك شيلر في إيينا بألمانيا، في كتابه الذي يحمل عنوان «التسارع الاجتماعي»، الصادر عن جامعة كولومبيا الأميركية.
يبدأ المؤلف تحليلاته برسم نوع من آلية عمل المجتمعات الغربية خاصّة، والمجتمعات الإنسانية بشكل عام، ليخرج بمقولة تبدو كمسلّمة مفادها أن الجميع يعلمون ويتجسّد لديهم اليقين كل يوم بأن السمة الكبرى للمجتمع الحديث هي «أن كل شيء غدا أكثر سرعة».
بالمقابل جرى إهمال كبير لـ«الزمن واستخدام الوقت» في التحليلات الخاصّة بالحداثة التي ركّز الباحثون في مجال العلوم الإنسانية بشأنها على العقلانية والنزعة الفردية. هذا في الوقت الذي يعتبر فيه هارتموت روزا، مؤلف الكتاب، أن الزمن وتسارعه يسمحان بفهم آليات عمل الحداثة. ويحدد القول إن التسارع الاجتماعي هو سمة المجتمع الحديث. ويشرح أن التسارع الاجتماعي الذي تعرفه مجتمعات اليوم ينتج عن التسارع التقني بالدرجة الأولى.
وحول فكرة التسارع بالتحديد، يصوغ المؤلف نظرية في الحداثة تدور حول «التسارع الاجتماعي». هذا التسارع الذي يبدو أنه غدا العنصر الأساسي في مجمل الحياة الاجتماعية. وتتم دراسته من قبل المؤلف في جميع مظاهره. تلك منها التي تتعلّق بـ «التسارع التكنولوجي» على صعيد وسائل النقل والاتصال وغيرها.
و«التسارع على صعيد التبدّل الاجتماعي» على صعيد أسلوب العيش وبنية الأسرة والنشاطات السياسية ودور الانتماء العقائدي. كما يؤكّد المؤلف على «التسارع في إيقاع الحياة» الذي يشير إلى تبدياته في تعاظم حالات القلق والإحساس بعدم كفاية الزمن المتوافر.
بهذا المعنى يكتب المؤلف أن المجتمعات الغربية تعاني من «شحّ الزمن ومن أزمة حقيقية على صعيده». لكن المفارقة التي يشير لها تكمن في القول إنه كلّما تعاظم تسارع الزمن يتعاظم بالوقت نفسه «التوتر في إيقاع الحياة». بالتوازي «يتثاقل عمل الآلة الاجتماعية».
ويضيف المؤلف أن عالم العولمة الذي نعيش فيه وما يترتب عليه من منافسه على الصعيد الاقتصادي وفي الأسواق يجعل من التسارع أمراً محتوماً، ولكنه يمسّ «صلابة وتماسك» مؤسسات العولمة نفسها. يتم في هذا السياق التأكيد أنّ ما يسميه المؤلف «الحداثة المتقدّمة»، حسب النسخة السائدة اليوم تنقلب ضد إرث «الحداثة الكلاسيكية»، القائمة على العقلانية ومفهوم التقدّم.
ويشرح هارتموت روزا أن مسألة «التباطؤ في تسارع الزمن» ينبغي أن ترتبط، كي تكون فاعلة على الصعيد الاجتماعي، مع نمط جديد للعلاقة مع العالم يكون منه تخفيف التوتر الفردي وتسهيل عمل الآلة الاجتماعية بعيداً عن حالة الاغتراب، التي قد يساعد «التسارع المتعاظم» على قيامها.
المسألة التي يؤكّد عليها المؤلف في نظريته عن الحداثة تتمثل في «جرعة التسارع»، الذي تفرضه الحداثة نفسها. ذلك أن ازدهار الحداثة يرتبط بدرجة كبيرة بالتسارع. لكن الإفراط في هذا التسارع، مثلما هو الحال اليوم في ظل العولمة الليبرالية وقوانين السوق، ينسف أسس المشروع الحداثي في شقّه الجوهري الخاص بـ«الاستقلال الذاتي».
ومن النتائج الأساسية التي يطرحها المؤلف ويصل في المحصّلة إلى تأكيدها أن العالم المعاصر الذي نعيش فيه يقوم على دينامية التسارع، وبالتالي ليس له أي هدف سوى أن يضع العالم المادي والاجتماعي والأخلاقي في حالة حركة مستمرّة.
المؤلف في سطور
هارتموت روزا هو أستاذ علم الاجتماع والعلوم السياسية في جامعة فريدريك شيلر الألمانية. كان قد مارس التدريس في جامعة هارفارد، من مؤلفاته «الاغتراب والتسارع: نحو نظرية نقدية للحداثة المتأخرة زمنياً».
