الأدب الأميركي زاخر بالكتابات المُستلهمة من الأسفار على الطرقات الطويلة التي تجتاز البلاد في جميع الاتجاهات، وتبدو أنها بمثابة الشرايين التي تربط أجزاء الجسد الأميركي في كيان واحد. بل ويتردد القول إن «مذكرات الطريق» هو نص أدبي أميركي بامتياز.

ومن بين آخر الكتّاب تطرّقوا لهذا الموضوع الصحفي والكاتب الأميركي المعروف فيليب كابوتو، صاحب الكتاب الشهير عن حرب فيتنام الذي يحمل عنوان «ضجّة الحرب». لقد قرر، وهو على مشارف عامه السبعين، في عام 2011، عندما كانت الأزمة الاقتصادية التي انطلقت في خريف عام 2008 في أوجها، أن يقطع الولايات المتحدة الأميركية بشاحنة قديمة وراءها مقطورة صغيرة وبصحبة زوجته وكلبيهما عبر «الطريق الأطول»، كما اختار عنوانا لكتابه.

مناطق أسطورية

ما يؤكّده المؤلف هو أن فكرة اجتياز الولايات المتحدة من طرف إلى آخر كانت تراوده منذ فترة طويلة ولكن وفاة والده عام 2010 جعلت هامش حركته أوسع. هكذا انطلقت رحلة الـ5475 ميلا من «الكاي ويست» في فلوريدا بأقصى جنوب الولايات المتحدة الأميركية نحو «ديدهورس» في ألاسكا على المحيط الأركتيكي. هذه المدينة يصفها المؤلف بالقول إنها: «المدينة الأكثر غرابة والأكثر بشاعة في البلاد. وهي بشعة إلى درجة أنها ساحرة».

كانت القاعدة الرئيسية في اختيار مسار الرحلة هي «الابتعاد عن الطرق الكبرى ،السريعة»، وانتهاج السبيل الذي يعبر مناطق أسطورية تعكس حقيقة البناء الوطني المتنوّع للأمة الأميركية.

والابتعاد أيضا عن استخدام سيارات الدفع الرباعي والنوم في الفنادق الفخمة، بل الحرص على اللقاء مع البشر العاديين من كل مكوّنات المجتمع الأميركي. بهذا المعنى يتم الحديث عن الطريق الذي سلكه المؤلف وزوجته أنه طريق الباحثين.

أصول متباينة

ويذكر المؤلف أنه كان مدفوعا برحلته الطويلة عبر مختلف مناطق الولايات المتحدّة الأميركية في عام 2011 بإرادة التعرّف عمّا إذا كانت البلاد تعاني بالفعل من وضع حاد من الانقسام والسوء كما رسمته مختلف وسائل الإعلام. ذلك بعد الأزمة المالية والاقتصادية التي انطلقت في خريف عام 2008 وهي الأكبر في التاريخ الأميركي الحديث بعد الكساد الكبير إثر أزمة عام 1929.

ويشرح المؤلف أن الهدف الأساسي من رحلته كان أوّلا وأساسا الوصول إلى إجابة على السؤال الذي طرحه على نفسه باستمرار حول حقيقة إمكانية القدرة والرغبة، في التعايش بين مختلف مكوّنات المجتمع الأميركي ذات الأصول المتباينة والقريبة من الاختلاف أحياناً.

وبعد إعلانه عن السؤال الذي طالما تردد على ذهنه يشير أنه أراد من رحلته الطويلة أن يتعرّف على أفكار الآخرين بهذا الشأن. يكتب: «لقد أردت أن أطرح على الآخرين بقدر المستطاع السؤال الذي كنت أطرحه على نفسي ومفاده : ما الذي يجعلنا نستمر في العيش معا؟».

تنوع

فما الذي يوحّد أميركا؟. وما الذي يشكّل لحمة أمّة كبيرة تعيش على أرض مترامية الأطراف تمتد من المحيط الأطلسي إلى المحيط الآركتيكي؟. وأسئلة أخرى تذهب كلّها باتجاه التساؤل حول الهوية الوطنية الأميركية. لقد حمل المؤلف هذا السؤال، الذي كان قد طرحه كتّاب مشاهير قبله مثل جون شتاينبيك في عمله الشهير «شارع السردين المعلّب» وآخرين أقل شهرة، وطرحه بطرق مختلفة..

لكن بنفس المضمون، على أولئك الذين قابلهم بحكم صدفة الطريق. لكن المؤلف يشير بالوقت نفسه أن الرحلة التي قام بها والآراء التي سمعها من أولئك الذين قابلهم «غيّرت من رؤيته للأشياء». ويضيف أن مثل ذلك التغيير لم يكن لحظيا فقط، ولكن ربما دائما.

وكان من بين الذين صادفهم مسيحيون إنجيليون ومتطوعون قدموا للمساعدة في التصدي لنتائج الإعصار الذي أصاب «توسكولاوز» في الاباما ومزارعين من ميتسوري ومقيمين في المعسكرات المكرّسة للهنود من أبناء أميركا الأصليين ومجموعات متنوّعة من سكان منطقة الاسكا.

يكتب: لقد صادفت في رحلتي غرقى من بين أولئك الذين وضعتهم الفقاعة العقارية وعلى أثرها الأزمة المالية الكبرى على قارعة الطريق في تينيسي، وأصحاب قلوب كبيرة قدموا لمساعدة منكوبي الإعصار في الاباما وكذلك رئيس قبيلة سيو من الهنود في داكوتا والذي غدا نجما تلفزيونيا».

يشير المؤلف في هذا السياق أن ما أثار دهشته أثناء رحلته من جنوب الولايات المتحدة إلى شمالها ليس أنها بلاد شاسعة حقيقة فحسب، ولكن بالأحرى أدهشه تنوّع سكانها، إلى درجة لا يناظرها فيها أي بلد آخر في العالم. والإدراك أن الأميركيين هم فعليا من «سلالات الرحّالة ـ المسافرين».

ويبلغ التنوّع، برأيه، درجة يمكن للزائر أن يحسّ في لحظة ما أنه في بلد إفريقي أو آسيوي. ثم أن التنوّع، كما يضيف ويكرر القول بأشكال مختلفة، ليس في المشاهد الجغرافية وفي الملامح العرقية ولكن أيضا في «المشهد الاجتماعي»، والتمايز الواضح في درجة الثراء والفقر.

المؤلف في سطور

فيليب كابوتو صحفي وكاتب أميركي معروف، سبق له ونال جائزة «بوليتزر» الصحفية الأكثر شهرة بين الجوائز الأميركية. =وهو مؤلف 15 كتابا في الدراسة والرواية أشهرها كتاب «ضجّة الحرب»، الذي تصدّر لأسابيع عديدة قائمة الكتب الأكثر انتشارافي أميركا عند صدوره وخصّ به الحرب الأميركية في فيتنام وآثارها على المجتمع الأميركي.