سادت بعد انهيار جدار برلين في مطلع شهر نوفمبر من عام 1989 فكرة مفادها أن الرأسمالية انتصرت مرّة أخيرة وللأبد على المعسكر الاشتراكي وأن الولايات المتحدة الأميركية كرّست سيادتها على عالم هي القطب الوحيد الذي يهيمن فيه من موقع القوّة العظمى لفترة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق.
لكن سرعان ما «اهتزّت» تلك الصورة ليبرز عالم متعدد الأقطاب ويلوح بالوقت نفسه «الصراع» على المستوى الاقتصادي بين عدد من القوى الكبرى ذات الطموح الواضح لاحتلال موقع الصدارة في المشهد الاقتصادي العالمي.
والصحافي الاقتصادي الفرنسي جان ميشيل كاتربوان، الذي قدّم العديد من الكتب وتنبأ بالأزمة الاقتصادية المالية والاقتصادية، التي نشبت انطلاقاً من الولايات المتحدة الأميركية في خريف عام 2008 يكرّس كتابه الأخير لما يسميه «صدمة الإمبراطوريات»، كما جاء في عنوانه الرئيسي، ويقصد بتلك الإمبراطوريات الولايات المتحدة الأميركية والصين وألمانيا. ويحاول فيه الإجابة على السؤال التالي: «من سيسود ــ بين الإمبراطوريات الثلاث ـ على الاقتصاد العالمي؟».
بعد تقديم مجموعة من المواصفات الخاصّة بمفهوم «الإمبراطورية» ومستلزمات لعب دورها على المسرح الدولي يحدد المؤلف القول إن «القرن الحادي والعشرين يرتكز حول ثلاثة أقطاب هي الولايات المتحدة والصين وألمانيا». ويؤكّد أنه من العسير تحديد النتيجة النهائية التي ستؤول لها هذه «اللعبة الدولية الكبرى».
من المسائل التي يؤكد عليها المؤلف في تحليلاته أن الاتحاد الأوروبي لم ينجح حتى الآن بفرض نفسه على الصعيد الاقتصادي بمواجهة النموذج الأميركي. بالمقابل يؤكّد أن الولايات المتحدة الأميركية لم تشأ أبداً أن تبرز أوروبا، القارّة القديمة، كقوّة يمكن أن تكون منافسة لها. بالتالي يرى الأميركيون أن الدور الوحيد «المناسب» لأوروبا هو أن تكون منطقة تجارة حرّة، بعيداً عن الطموح إلى بروز «أبطال صناعة أوروبيين».
النتيجة التي يخلص لها المؤلف من هذا الواقع هي أن أوروبا لا يمكنها أن تكون في موقع إمبراطورية. ذلك أن الإمبراطورية تتطلّب امتلاك لغة وعملة وثقافة، هذا دون الحديث عن حدود بينما تمتلك الولايات المتحدة «اللغة الإنجليزية» والدولار، ويكتب في هذا الصدد «إن الاتحاد الأوروبي ليس أمّة وبالتالي ليس بمقدوره أن يكون إمبراطورية».
ومن نقاط ضعف الاتحاد الأوروبي الكبرى على الصعيد الاقتصادي يشير المؤلف إلى واقع أن بريطانيا ليست أحد بلدان منطقة «اليورو»، أي العملة الأوروبية الموحّدة. ثمّ إن حدود الاتحاد الأوروبي ليست مرسومة بطريقة واضحة، بل تتباين تبعاً لاتفاقية «شنغن» الجامعة لبلدان الاتحاد الأوروبي أو تبعاً لبلدان منطقة اليورو.
أمّا الصين فهي تمثل رقعة جغرافية مترامية الأطراف وترتكز على وجود «الأمّة الصينية العريقة»، ناهيك عن الإيديولوجية الشيوعية على الصعيد السياسي والنهج الرأسمالي على المستولى الاقتصادي. ويضيف المؤلف سمة أخرى تجعل لدى الصين ميلاً واضحاً لتكون «إمبراطورية»، وهو أنها تريد أن تأخذ ثأرها، بعد «الإذلال»، الذي كانت قد عانت منه في القرن التاسع عشر.
وبالنسبة لألمانيا فإن المؤلف يرى فيها القوّة الأوروبية الوحيدة التي يمكن أن تدغدغها أحلام القوّة الإمبراطورية على الصعيد الاقتصادي الأوروبي. والإشارة إلى أن مثل هذا الطموح كان هو المحرّك لتوجهات المستشارة الألمانية انجيلا ميركل منذ انتخابها عام 2005.
المؤلف في سطور
جان ميشيل كاتربوان صحافي اقتصادي فرنسي. يتعاون مع العديد من الصحف والدوريات في مقدمتها صحيفة «لوموند» اليومية و«تريبيون» المختصة بالاقتصاد وكذلك «نوفيل ايكونوميست». قدّم العديد من الكتب من بينها: «الأزمة الشاملة، العالمية».
