على غرار العديد من حالات «التنافس الودّي» بين البلدان المتجاورة جغرافياً أو حتى بين مدن البلاد الواحدة، تعوّد الفرنسيون على سرد الكثير من الحكايات والنوادر التي تُبدي جميعها مدى «سذاجة جيرانهم البلجيكيين»، بل تبدو بلجيكا في الكثير من الميادين، وليس أقلّها أهمية ميدان الاختراعات العلمية والتقنية، وكأنها مجرّد «أرض قاحلة».

على مثل هذا الوضع يأتي رد بلجيكي من قبل الصحفي السابق إيف فاندر كرويزن في كتاب صدر أخيراً تحت عنوان «هل هذا صناعة فرنسية؟ كلاّ، إنه من صنع بلجيكي». ويتألف هذا الكتاب من 60 فصلا يحتوي كل منها على خمس أو ست صفحات وتصب كلّها في إظهار كفاءات «البلجيكيين الصغار» وتأكيد أنهم ليسوا تلك «البطّات العرجاء» التي يرسم الفرنسيون صورتها لهم.

الكتاب زاخر بالأسئلة من نوع: «من يعرف أن الأستاذ في الطب بونوا لانجوليه، الرائد على الصعيد العالمي لزراعة الوجه الإنساني في فريق مستشفى أميان بفرنسا هو بلجيكي ويعيش في باربان والون ببلجيكا؟».

هكذا نقرأ أن مخترع بلجيكي هو الذي أنجز أوّل سيارة قبل قرن من الزمن من الفرنسي جوزيف كونيو. وأن بلجيكي آخر اسمه اتيين لونوار هو الذي اخترع أوّل محرّك.

وأن من قام ببناء الجسر المعروف بباريس بـ«بون رويال»، أي «الجسر الملكي»، كان بلجيكيا. وأن التمثال الهائل المنصوب عند مدخل متحف الفنون والمهن في باريس هو من منحوتات فنان بلجيكي. وتقديم العديد من المعلومات عن المساهمة الكبيرة لبلجيكيين في بناء مترو باريس.

وفي مجالات عديدة أخرى غير العلم والاختراعات يتفاخر الفرنسيون بإنتاجهم الأدبي. هكذا نعرف أن مؤسس «نادي المتوسط» «كلوب ميد» السياحي الشهير في العالم هو البلجيكي جيرار بليتز. وعلى صعيد الأدب الذي يعتبره الفرنسيون أحد مجالات تميّزهم يذكّرهم المؤلف أن الرائعة الشهيرة المتمثّلة برواية «البؤساء» للشاعر والكاتب الفرنسي الكبير فكتور هوغو إنّما تمّت طباعتها للمرّة الأولى في بلجيكا من قبل ناشر «جسور»، حسب توصيف المؤلف، في بروكسل.

ذلك أن الناشرين الفرنسيين اعتبروا أن ذلك العمل «الضخم من حيث عدد صفحاته»، إنما هو خاسر تجارياً. وإشارة المؤلف أيضا أن النقّاد الأدبيين الفرنسيين في تلك الفترة كانوا في غاية القسوة حيال رواية «البؤساء»، ومؤلفها فكتور هوغو الذي لجأ إلى بلجيكا بسبب معارضته الصريحة للإمبراطور نابليون بونابرت وكان قد وصفه بـ«نابليون الصغير».

ما يريد المؤلف أن يؤكّد عليه هو أن رؤوس البلجيكيين ليست فارغة، كما يرسم الفرنسيون صورتهم في كثير من الأحيان ويطلقون عليهم توصيف «البلجيكيين الصغار». هذا ما يدل عليه أيضا بوضوح الكمّ الكبير من الدعابات التي تبدأ بـ«ذات مرّة كان هناك بلجيكي».

وما يشرحه المؤلف بأشكال مختلفة في هذا الكتاب هو أن البلجيكيين لم يكونوا أبدا فخورين جدا بأنفسهم بينما أنهم يمتلكون مخيّلة خصبة وقاموا بتحقيق الكثير من الاختراعات الهامّة.

المؤلف في سطور

إيف فاندر كرويزن صحفي بلجيكي سابق. قدّم العديد من الكتب ذات الطابع التاريخي، ويولي أهمية خاصّة للحكايات الشعبية، وخاصّة تلك المتعلّقة ببلجيكا وبالتاريخ البلجيكي.