عرفت الأنظمة الرأسمالية الغربية الموصوفة بالديمقراطية حالة من النجاح على مدى قرون بالتوازي مع مسيرة التقدم، التي عرفتها في سياق الثورة الصناعية الكبرى التي كانت بلدانها مهدها الرئيسي. هذا ما يتفق عليه المحللون والمراقبون. لكن حالة عدم الاستقرار والحروب التي شهدتها القارّة الأوروبية خلال القرن العشرين - من بينها حربان عالميتان - كانت بمثابة الإيذان بانعكاس في المسار، حيث غدا التوجّه السائد هو مسار انحداري «من النجاح إلى الفشل».

ذلك المنحى «المنحدر» هو بالتحديد موضوع كتاب أستاذ العلوم السياسية في جامعة كمبردج دافيد ريونسيمان، الذي يحمل عنوان «فخّ الثقة»، كما جاء في عنوانه الرئيسي. ويقدّم المؤلف فيه نوعاً من «تاريخ الديمقراطية المأزومة منذ الحرب العالمية الأولى حتى الوقت الراهن»، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب.

كساد اقتصادي

ويشرح دافيد ريونسيمان أنه منذ اندلاع الحرب العالمية الأولى بدأت بلدان «الديمقراطيات الكبرى»، الرأسماليات الكبرى في أوروبا خاصّة، وفيما بعد في مجمل البلدان الغربية سلسلة من الأزمات التي تتابعت بأشكال مختلفة كان تعبيرها السياسي والعسكري الأكبر في القرن العشرين هو نشوب الحربين العالميتين، الأولى والثانية، بينما كان تعبيرها الاقتصادي الأبرز هو الأزمة المالية والاقتصادية في عام 1929، وما تلاها من «كساد اقتصادي» كبير في الغرب عامّة.

ثم كانت الأزمة المالية والاقتصادية التي انطلقت من الولايات المتحدة الأميركية في خريف عام 2008 ولا تزال آثارها ماثلة حتى اليوم هي «المثال الأخير» على مسار الديمقراطية المأزومة، كما يشرح المؤلف. ويرى في هذه الأزمة الأخيرة الدليل على استمرار «المسار المنحدر» نفسه وأن الأمور لا تزال متعثّرة.

شبح الكساد

هذا مع ملاحظة يؤكّد المؤلف عليها بالنسبة لتلك الأزمة وهي أن «البلدان الديمقراطية هي التي عانت منها وأرّقها شبح الكساد بينما أن الصين ذات النظام التسلّطي تابعت مسيرة نموّها بمعدّلات كبيرة». ثمّ التأكيد أيضاً أنه لو أرادت الصين أو روسيا مثلاً فرض سياسة «تقشّفية»، فإنه بمقدورهما تطبيق ذلك عبر «قرار فوري» نافذ المفعول مباشرة بينما تحتاج المنظومات الديمقراطية لإقرار ذلك شعبياً.

والإشارة في هذا السياق أن أوروبا بالمقابل لا تزال عاجزة عن إيجاد حلول مستدامة لأزمة بلدان منطقة اليورو. والأمر نفسه من حالة العجز، إلى هذه الدرجة أو تلك، وغياب المبادرات الكبرى يسري بالنسبة لجميع القضايا حتى ذات «الصفة المصيرية منها» بما في ذلك تهديد «هلاك البشرية بسبب الغازات السامّة الصادرة عن المصانع».

تاريخ الديمقراطية

إن المؤلف يقدم على مدى فصول هذا الكتاب السبعة تاريخ الديمقراطية الحديثة وبالتحديد عبر التأريخ لفترات الأزمات ـ المنعطفات الكبرى. هكذا أخذت الفصول عناوين سنوات مهمّة في مسار البلدان الغربية حيث يخص الفصل الأول «الآمال الزائفة، عام 1918»..

والثاني صعود النازية إلى السلطة في ألمانيا عام 1933، ثمّ المحاولة من جديد عام 1947، وأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 وأزمة الثقة لعام 1974 ونهاية التاريخ عام 1989، مع سقوط جدار برلين، وأخيراً الفصل الختامي تحت عنوان «العودة نحو المستقبل عام 2008»، مع اندلاع الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الكبرى.

نموذج ديمقراطي

إن المؤلف يكشف في هذه الفصول كلّها عن «نموذج ديمقراطي يعيد السلوك المتأرجح نفسه، بحيث يتم الانتقال من الإشادة بـ«الديمقراطية المتفوقة والمنتصرة حكماً» إلى الحديث عن «عجزها وعدم قدرتها على التصدّي للتحديات التي يفرضها العصر».

ويشرح المؤلف أن الديمقراطيات الغربية أشادت وطوّرت ثقتها بالنفس على أساس قدرتها على المقاومة طويلاً وكذلك على قدرتها في التأقلم مع جميع الشروط والمستجدات ـ على عكس الأنظمة الجامدة، حيث كان يُقصد بالأنظمة الجامدة بلدان الكتلة الشيوعية سابقاً. وإضافة أن الأنظمة الديمقراطية، وعلى خلفية ثقتها أن الأمور ستنتهي إلى ما هو أفضل «تترك المشكلات تتعفّن». هكذا تتحوّل المشكلات مع الزمن إلى أزمات خطيرة. هذا مع الإشارة أن الأنظمة الديمقراطية لا تستطيع عامة التأقلم ما يكفي مع تلك الأزمات عند انفجارها.

كتاب «فخّ الثقة» هو في أحد وجوهه تأريخ للعالم من خلال التعرّض لتاريخ أزمات الغرب الرأسمالي الأوروبي، وخاصّة الأميركي. وتركيز المؤلف على بعض الأحداث الكبرى والتهديدات التي تعرّضت لها الديمقراطيات الغربية وشكّلت بالوقت نفسه تهديداً للاستقرار والسلم العالميين.

المؤلف في سطور

يعمل دافيد ريونسيمان، مؤلف هذا الكتاب، أستاذاً للعلوم السياسية في جامعة كمبردج، يساهم بانتظام بالكتابة في عدد من الصحف والدوريات على رأسها مجلّة «لندن للكتب»، من بين مؤلفاته: «سياسات النوايا الحسنة» و«الرياء السياسي»، والعملان من إصدار جامعة برنستون.