من السهل على أي إنسان أن يلاحظ الفرق الكبير في أسعار اللحوم التي تباع في مختلف بلدان العالم. والكل يعرف أن «التربية الصناعية» للحيوانات المكرّسة للاستهلاك الإنساني غدت أحد أكثر فروع الصناعات الغذائية انتشاراً. وليس من العسير فهم أن أكبر نسبة من مستهلكي «اللحوم رخيصة الثمن» هم من الشرائح «الأكثر فقراً» في مختلف المجتمعات.
انطلاقاً من هذه المشاهدات والعديد غيرها يقدّم الباحث البريطاني فيليب ليمبيري والصحافية ايزابيل اواكشوت، رئيسة تحرير القسم السياسي لصحيفة «صاندي تايمز» البريطانية خلال سنوات 2011 - 2014، كتاباً تحت عنوان فارماجيدون، الكلفة الحقيقية للحم الزهيد الثمن. وهما يدرسان فيه الآثار الخطيرة لهذه المنتجات الغذائية المصنّعة وذات الانتشار الواسع على البشر وعلى الحيوانات، كما على مستقبل الكوكب الأرضي الذي نعيش عليه.
وتعبير فارماجيدون، الموجود في عنوان هذا الكتاب، هو عنوان فيلم وثائقي قصير عن التغذية أعدّه فيليب ليمبيري، بعد رحلات قام بها، برفقة الصحافية ايزابيل أوشكوت خلال ثلاث سنوات إلى مختلف أصقاع الأرض للتعرّف على حقيقة «تربية الحيوانات لغايات صناعية» تهدف إلى إنتاج اللحوم زهيدة الثمن ذات المنشأ «الصناعي»، بمعنى أنها نتاج أحد فروع الصناعات الزراعية - الغذائية.
والنتيجة التي يتم الخروج بها هي أن مثل هذه الصناعة تشكّل إحدى المسائل الأكثر تهديداً في هذه الحقبة من حياة الإنسانية. وذلك على أساس أسباب جوهرية عديدة في مقدمتها أنها مسؤولة عن طرح كميّات هائلة من الفضلات الغذائية وبصورة لا سابق لها في التاريخ؛ وهي وراء مجموعة من مصادر الخطر على الصحة البشرية، كما على الأرياف وبالتالي على البيئة بشكل عام؛ وسبب آخر يؤكّد عليه المؤلفان هو أنها مصدر قدر هائل من القسوة حيال الحيوانات نفسها.
الأذى الذي يلحق بالحيوانات التي تكمن فائدتها الوحيدة في بيع لحومها كبير، كما يشير مؤلفا الكتاب. لكن الأذى الأكبر يحددان مصدره بـ«المنظومة الصناعية العبثية» الكامنة وراء ذلك. فهذه المنظومة خلقت معطيات بيئية جديدة منافية للحالة الطبيعية.
ذلك أن الحقول والمساحات التي تستخدمها أصبحت خاوية من حيوانات المزارع وأحواض الأسماك تفتقر للأكسجين، والإشارة في هذا الصدد إلى أنه يتم في بعض مزارع تربية الدجاج قطع مناقير الدجاج، تجنّباً للجروح المتبادلة. وفي جميع الحالات تتغذّى الحيوانات المعنية بكل أشكال الأغذية المصنّعة.
والنتيجة هي أننا لم نعد نعرف «ما نحن بصدد أكله في وجباتنا». يتم في هذا السياق ذكر العديد من الفضائح الخاصّة بمصادر اللحوم التي استخدمتها سلاسل مطاعم معروفة عالمياً. والوصول إلى التأكيد أن اللحوم المكرّسة للاستهلاك الجماهيري «تحكم بالموت على أريافنا (...) وبالمجاعة على المليارات من البشر»، كما نقرأ.
ويقدّم المؤلفان توصيفاً يثير الاستغراب عن بعض المشاهدات التي صادفاها أثناء جولتهما للتعرّف على واقع تربية الحيوانات لأغراض صناعية. هكذا يشيران إلى رؤيتهما لكميات من الدجاجات «نصف حيّة» موضوعة للتخلّص منها في أكياس القمامة في تايوان. وصادفا، كما يؤكّدان، في الأرجنتين مجموعات قبلية كان قد جرى طردها من أراضيها من أجل استخدامها في زراعة نباتات «الصويا» المكرّسة لتغذية الحيوانات.
والمؤلفان لا يطالبان أن يغدو البشر «نباتيين»، ولكن بضرورة المحافظة على الصحّة الإنسانية وعلى حماية البيئة، مصدر الغذاء لنا وللأجيال القادمة.
المؤلفان في سطور
يعمل فيليب لومبيري مديراً لمنظمة بريطانية غير حكومية تعنى بالمسائل الخاصّة بنوعية الأغذية المستهلكة في العالم. وايزابيل اواكشوت هي رئيسة تحرير سابقة للقسم السياسي في صحيفة «صاندي تايمز» البريطانية. سبق لها وقدّمت كتاباً عن سيرة حياة رئيس الوزراء البريطاني الحالي دافيد كاميرون.
