هناك فكرة شائعة في الغرب عموماً وفي فرنسا بشكل خاص مفادها أن الأجيال الجديدة فقدت ميزة «السلوك المؤدّب»، التي كانت تتحلّى بها الأجيال السابقة. ويتم تحديد ما عُرف بـ«ثورة الطلبة» في شهر مايو من عام 1968 كنقطة تحوّل كبرى من حيث الشعارات «التحررية»، التي طرحها المتظاهرون في الشوارع. تلك الشعارات تمّت ترجمتها واقعياً بفقدان الشباب، إلى هذه الدرجة أو تلك، لاحترام الأهل والطاعنين في السن وبشكل عام التمرّد على «آداب السلوك» التقليدية المتوارثة.

 الباحث والكاتب الفرنسي غيسلان دو ديسباش، يبشّر بما يسميه «طريقة السلوك الجديدة»، كما جاء في عنوان كتابه الأخير الذي يكرّسه لـ «مديح التربية الجيّدة» حسب العنوان الفرعي. ذلك على أساس مقولة تتردد بأشكال مختلفة في التحليلات المقدّمة ومفادها أن «السلوك المؤدّب غدا بمثابة أحد الروائع المهددة بخطر محدق يهدد وجودها».

سلوك سيئ

كما يشير المؤلف إلى نوع من «انقلاب المعايير» بحيث أن «السلوك السيئ»، أو ما يتم اعتباره كذلك قد غيّر من معسكره. هكذا أصبح من «عدم الكياسة الشكوى من الجيران الذين يحدثون ضجّة حتى فجر اليوم التالي» و«من عدم الكياسة الوصول في الموعد المحدد لحفل استقبال باريسي». هنا يروي المؤلف أنه وصل ذات يوم على الموعد ـ مع التأخّر قليلاً ـ فبادرته سيّدة المنزل بالقول: «دائماً أنت ودقّتك المشينة في المواعيد».

ولا يتردد المؤلف في أن يطالب بوضوح أنه لا بدّ أمام مثل هذا الوضع الغريب من التأكيد على عدد من الممنوعات الرامية إلى تهذيب السلوك المتوحّش لدى الإنسان. ذلك على أساس أن مفهوم «غياب القواعد الصارمة في السلوك» جعل من السلوك المؤدّب نوعاً من الممارسة «غير الأخلاقية»، من حيث أنها تقوم على فرض ممنوعات بحجّة تهذيب السلوك البدائي. ب

هذا المعنى يؤكّد المؤلف على مدى صفحات هذا الكتاب على أهمية وجود الضوابط التي تقنن سلوك البشر في المجتمعات التي يعيشون فيها. ذلك أن إزالة الحواجز والممنوعات تعني بالضرورة انفلات العقال وولوج طريق الفوضى وانعدام الأمن والأمان، والأمثلة التي يسوقها جيسلان دو ديسباش على ذلك من التاريخ كثيرة.

قواعد

المثال الذي يعتبره بليغاً في هذا الصدد يجده في حقبة الثورة الفرنسية الكبرى. ذلك عندما قام «الثوريون» باسم الشعب بـمنع التخاطب بلغة الجمع، المستخدمة لإظهار الاحترام للآخر وحيث كانت جريمة استخدامه قد تؤدي إلى المقصلة وفرض التخاطب بلغة المفرد باسم المواطنة الثورية. النتيجة كانت، كما يرى المؤلف، هي تراجع حضاري وانتصار نزعة طفولية ولّدت الكثير من الفوضى.

إن المؤلف يسوّق في هذا الكتاب الكثير من الحكايات والنوادر المأخوذة من التاريخ أو التي عاشها المؤلف نفسه أو كان شاهداً عليها. لكن التي تنمّ كلّها عن أهمية احترام قواعد السلوك حتى تلك التي يمكن أن تبدو بدون جدوى أو غير منطقية أو غير مفيدة. الأمثلة على ذلك أيضاً عديدة مثل تقديم عدد مفرد وليس مزدوجاً من الورود وتناول طبق الأسماك بشوكتين ومخاطبة أي شخص بضمير الجمع وعدم تجاهل احترام السيدات..إلخ.

أنماط وقواعد

ويحدد المؤلف العديد من القواعد وأنماط السلوك لدى الشعوب الغربية، وخاصّة الأوروبية منها، ويقوم بنوع من «المفاضلة» بينها. هكذا مثلاً لا يبدي أي حماس لممارسة «المصافحة بالأيدي» السائدة في بلد مثل فرنسا. ويفضّل عليها «الانحناء العسكري قليلاً والميكانيكي الذي يمارسه الألمان أو البرود الذي يبديه الانجليز». أمّا الحجّة المستخدمة في ذلك فتعود لمستلزمات الوقاية الصحيّة، خاصّة أنه «لم يعد هناك من يرتدي القفازات».

وفي هذا السياق يبلغ «نفور المؤلف من الحداثة المفرطة» ذروته في حديثه عن الهاتف النقّال الذي يتم الإفراط في استخدامه طيلة الوقت، وصولا إلى فترات وجبات الطعام. ما يقترحه المؤلف هو عدم الحصول عليه إلاّ بناء على «وصفة» على غرار الوصغات الطبيّة.

لكن مقابل التأكيد على أهميّة «التربية الجيّدة» يشير المؤلف أنه يمكن أن يكون للسلوك المهذّب وجهه الآخر. ذلك بمعنى أنه يمكن أن يكون «سلاحاً ذا حدّين». فالذهاب بعيداً في «التأدّب» يمكن أن يدفع الآخر لقدر أكبر من الوحشية. ويتساءل: هل ينبغي تحت مقولة التسامح الشهيرة «إذا صفعك أحدهم على خدّك الأيسر فأدر له الخد الأيمن» عدم الدفاع عن النفس.

بالتوازي مع ذلك كلّه هناك تقهقر أيضاً على مستوى «اللغة المستخدمة» وعلى مستوى «الملبس والهندام». هذا الأمر يظهر بوضوح من ارتداء أبناء الشرائح العليا من المجتمع الفرنسي اليوم لألبسة لم يكن أبناء أكثر الطبقات الاجتماعية فقراً يقبلون ارتداءها في القرن الماضي.

المؤلف في سطور

غيسلان دو ديسباش كاتب فرنسي، مارس العديد من الوظائف الإدارية في مجالات النقل والطيران والتأمين قبل أن يتفرّغ تماماً للكتابة منذ سنوات الستينات المنصرمة. له عشرات المؤلفات من بينها «قطار الحياة الجميل» و«عن جولة حول فيرن حول العالم في 80 يوماً»، و«تاريخ الهجرة»، وغيرها.