تشكّل كتب السيرة فرعاً مهماً من الكتب الصادرة في الغرب عموماً. وهناك العشرات منها يكرّسها أصحابها لرجال السياسة والفكر والفن والأدب كل سنة. ومن بين الكتب الصادرة هذا العام كتاب الأميركي اندي مارينو، الذي خصّ فيه بالبحث سيرة حياة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وأعطاه عنوان «ناريندرا مودي: سيرة حياة سياسية».
موضوعية باردة
يقدّم المؤلف موضوع كتابه «ناريندرا مودي» رئيس وزراء الهند على أنه شخصيّة مثيرة للجدل من حيث الآراء المتناقضة حولها من «المديح المفرط» وتصويره بصورة البطل، وحتى النقيض تماماً، حيث يرى فيه البعض شريكاً في أحداث العنف التي عرفتها منطق «غوجارات» في الهند عام 2002 وكان أغلبية ضحاياها من المسلمين الهنود. بكل الحالات يؤكّد اندي مارينو أن عمله يتسم بقدر كبير من «الموضوعية الباردة».
يبدأ المؤلف كتابه، مثلما هو الأمر في العديد من كتب السيرة، بالحديث عن الفترة الأولى من حياة ناريندرا مودي، وتتمثل نقطة الانطلاق الرئيسية في الإشارة أن مودي غادر منزل العائلة في بلدة فادناغار، عندما كان في السابعة عشرة من عمره.
وكان مرتبطاً بـ«زواج الأطفال»، الذي كان من تقاليد المجموعة «الغوجارية» التي كان ينتمي لها. كان التزامه بذلك الزواج قد حصل وهو في الثالثة من عمره لكن دون رؤية الفتاة طيلة سنوات المراهقة حيث كانت التقاليد تقضي بالتعرّف عليها لفترة قصيرة عن الاقتراب من منعطف سن الثامنة عشرة. لكنه حزم أمتعته ورحل قبل تلك الفترة حيث لم تكن الفتاة المعنية به قد رأته في حياتها سوى مرّة واحدة.
يفتحُ المؤلف في هذا السياق قوسين ليوجّه أصابع الاتهام إلى وسائل الإعلام بأنها رسمت لتلك المرأة صورة «امرأة بائسة وحيدة عاشت باستمرار على أمل أن يعود مودي ذات ليلة إلى المنزل كي يتناول طعام العشاء». ويذهب المؤلف أبعد من ذلك في اتهاماته بسياقات أخرى ليؤكّد أن وسائل الإعلام المقصودة «شوّهت» عن قصد صورة «مودي».
مواجهات طائفية
أمضى مودي فترة عامين كاملين بعد مغادرته المنزل العائلي مرتحلاً دون توقف من مكان إلى آخر. ذلك بحيث إنه لم يتناول الطعام مرّتين في المكان نفسه. من هنا بالتحديد يشير المؤلف إلى أن أحد الخصائص هو «عدم اهتمام مودي بالغذاء والتغذية». والقول إن عدم الاهتمام ذاك نتج بالتحديد عن أسلوب العيش الذي تبنّاه خلال فترة ترحاله. وفي تلك الفترة قام مودي بإعادة تحديد توجهات حياته، «لقد أعاد صياغة دماغه»، كما يكتب اندي مارينو.
وفي مثل ذلك السياق ولج مودي أيضاً عالم السياسة وترقّى في المناصب وصولاً إلى زعامة الحزب القومي الهندوسي. لكن المؤلف يتوقّف طويلاً عند الفترة التي كان فيها مودي على رأس ولاية «غوجارات» عندما عرفت أحداث العنف الدموي عام 2002، حيث جرت المجابهات على أساس طائفي ذهب ضحيتها 1000 شخص. وكان المسلمون هم ضحاياها الرئيسيون.
ومما يكشف عنه المؤلف هو أن مودي أراد «الاستقالة» بعد تلك الأحداث لكنه اصطدم برفض حزبه لذلك. وينقل عنه قوله: «لقد أردت التخلّي عن منصبي ـ في رئاسة الحزب»، ويضيف: «لكن الحزب لم يكن مستعداً لتركي أرحل. ولم يقبل أهل غوجارات ذلك. لم يكن القرار يتعلّق بي ولم أكن أريد الوقوف ضد إرادة حزبي».
إن المحكمة العليا الهندية أقرّت بعد تحقيق طويل «براءته شخصياً»، بينما ثبتت تهمة القتل العمد على مسؤولين آخرين بينهم وزير سابق للتربية. أمّا بالنسبة لمودي نفسه فإن المؤلف ينقل عنه تأكيده أنه «فعل أقصى ما يستطيع من أجل وقف العنف الديني».
والإجابة على نشوب أحداث العنف وما جرى تجد جذور تربتها، برأي المؤلف، في مسار منطقة غوجارات، حيث يكتب أن العنف كان: «إرث عقود طويلة من تأجيج المشاعر الطائفية المريرة ومن تاريخ مشرّب بالحقد».

