غيرد غيغيرنزر أستاذ جامعي مارس التدريس في الجامعات الألمانية والنمساوية وفي جامعة شيكاغو الأميركية. وهو يناقش في كتابه الأخير مسألة «اتخاذ القرارات الجيدة»، كما يقول عنوانه الفرعي، وتحت عنوان رئيسي مفاده «امتلاك خبرة المجازفة».
أحد المصادر الرئيسية التي يستقي منها المؤلف مصادر الخوض في كيفية اتخاذ القرارات الجيدة يتمثّل في مسيرة حياته ومسيرته المهنية. ولا يتردد في القول إن «المخاطرة تتشكل جزءاً من حياة البشر»، والتأكيد أنها، أي المخاطرة «لا تنتهي إلاّ بنهاية الحياة». ثم يشرح على مدى صفحات هذا الكتاب أنه من الأهمية الجوهرية بالنسبة للبشر أن يسيطروا على مسار حياتهم عبر اتخاذ قراراتهم الجوهرية بالصورة الأكثر وضوحاً وتبصّراً.
ويركّز المؤلف في أحد فصول هذا الكتاب على أهمية الدور الذي يمكن للمدرسة أن تلعبه. ذلك من أجل تحصين الأطفال بمواجهة المخاطر، خاصّة على ثلاثة مستويات هي التربية على صعيد الصحّة والتربية المالية والتربية في المجال الرقمي، حيث غدت التكنولوجيات الرقمية حاضرة في مختلف ميادين الحياة. هذه المستويات الثلاثة هي، برأيه، ذات أهمية حيوية في مجتمعات اليوم.
ويحدد المؤلف القول إنه في مواجهة جميع المخاطر التي تحيط بالبشر اليوم على صعيد القضايا الكبيرة، كما على صعيد مسائل الحياة اليومية، يبقى خط الدفاع الأكثر مصداقية هو أنتم. ويرى أن أحد أهم العناصر في ذلك يتمثّل في «فهم المخاطر»، من أجل اتخاذ قرارات جيّدة حيالها.
ومن بين «الأدوات» التي يتم استخدامها من أجل الوصول إلى البراهين يحدد المؤلف «المعطيات الإحصائية»، ذلك بالاعتماد على مقولة سائدة مفادها أن الأرقام لا تكذب، لكنه لا يتأخّر في التأكيد على مخاطر سوء استخدام الإحصاءات، فمصدر الخطر الأول يأتي من «الاحتمالات»، التي تترتب على الأرقام.
هذا ما يشرحه مثلا من خلال تحذير اللجنة البريطانية المختصّة في مجال الأمن الدوائي، عام 1995، أن الجيل الثالث من حبوب منع الحمل يضاعّف من مخاطر حدوث خثرات دموية في الشرايين مما قد يسبب احتشاءات قلبية أو إصابات دماغية. أشارت تلك المعطيات الإحصائية أن مخاطر الجيل الثاني من تلك الحبوب كانت حدوث «إصابة» في كل 7000 حالة من النساء المعنيات وغدت النسبة «إصابتين» مع الجيل الثالث.
ونتيجة تلك الإحصاءات توقّف عدد كبير من النساء عن تناول حبوب منع الحمل وتعاظم عدد عمليات الحمل «غير المرغوب فيه»، وبالتالي تعاظم عدد عمليات الإجهاض.
ويشرح غيرد غيغيرنزر أن «نسبة تشكّل الخثرات الدموية» تضاعفت بالفعل بسبب استخدام حبوب منع الحمل من الجيل الثالث. لكن الخطر بالمعنى المطلق والخطر الحقيقي الذي تواجهه النساء اللواتي يتناولن تلك الحبوب لم يزدد سوى بـ«إصابة» واحدة من أصل كل 7000 امرأة تتناولها.
ومما يؤكّد المؤلف عليه في تحليلات هذا الكتاب في مجال اتخاذ القرارات الجيّدة دور بعض الأشخاص الذين يحيطون بصاحبها. هكذا يشير مثلا إلى الدور الكبير الذي لعبته أمّه في تحقيق أغلبية الأشياء التي حققها. ويصف ذلك بالقول: «لقد آمنت بي وشجّعتني وعلّمتني أهمية الفضول والمثابرة وحب الحياة». ويعيد بالمقابل اهتمامه بعلم النفس إلى استاذه للبيولوجيا في الثانوية الذي يحمل أيضل إجازة جامعية بعلم النفس، وقد اثار فضوله حول الحياة الذهنية للإنسان.
