برنار بايلن هو أحد أشهر المؤرّخين الأميركيين المعاصرين في مجال التأريخ للحقبة الاستعمارية الإنجليزية لأميركا وبالتأريخ أيضاً للثورة الأميركية وتأسيس الولايات المتحدة الأميركية. وبعد تقديم سلسلة طويلة من الكتب في موضوع اختصاصه كرّس عمله الأخير لما يصفه بـ «السنوات البربرية»، كما يقول عنوانه الرئيسي. والعمل مكرّس لدراسة الكيفية التي تمّ على أساسها «توطين المهاجرين من المملكة المتحّدة وغيرها من بلدان أوروبا في أميركا الشمالية خلال سنوات 1600 - 1675»، كما يدل عنوانه الفرعي.
وتجدر الإشارة أنه بعد صدور هذا الكتاب في نهاية عام 2012 صدرت طبعة جديدة أكثر اكتمالا له بعد أشهر قليلة، وقد حظي باهتمام كبير من قبل النقّاد، كما من جمهور القرّاء. فالمؤلف يحظى بمصداقية كبيرة وحائز على أهم جائزة يمكن أن يحظى بها مؤرّخ أميركي.
فترة تأسيسية
يعود برنار بايلن في هذا العمل الجديد إلى دراسة ما كان قد شرع به منذ أعماله الأولى اي الفترة التأسيسية للأمة الأميركية وإلى ما يسميه «الأصول الإيديولوجية للثورة الأميركية». وكان قد ركّز في جميع أعماله على شرح الطريقة التي جرت فيها عملية نقل مجموعات كبيرة من البريطانيين والأيرلنديين، خاصّة ومن الأوروبيين والأفارقة عامّة عبر الأطلسي إلى «العالم الجديد» وحالة التوتر التي نجمت عن «الصدمة بين حضارتين» وبين «مصالح متناقضة».
ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في أن يطلق على عملية توطين مهاجرين أوروبيين بيض البشرة كسادة ومالكين وأفارقة داكني اللون كـعبيد للعمل في مزارع البيض أنها، أحد أكبر أحداث التاريخ الإنساني كلّه. ذلك نظرا للتحوّلات الكبرى التي ترتّبت عليها بالنسبة للسكان الأصليين ممن يطلقون عليهم تسمية «الهنود»؛ وكذلك نظراً لكون أن تلك «الهجرات الكبرى» مثّلت «حجر الأساس» في صياغة التاريخ الأميركي منذ بداياته حتى اليوم.
لكن هذا الجانب «المضيء» في التاريخ الأميركي ليس سوى وجه واحد منه، ذلك أن هناك وجها آخر قاتماً، هو بالتحديد الذي يركّز عليه برنار بايلن في «السنوات البربرية». ويشير أن هذا الوجه «الآخر» تمّت إلى حدّ كبير محاولة طمسه عن الأجيال الأميركية المتلاحقة.
ولا يتردد المؤلف - المؤرّخ الخبير في توصيف العقود السبعة الأولى تقريباً من القرن السابع عشر التي شهدت توطين المهاجرين البيض في أميركا الشمالية أنها كانت «فترة من الفوضى ومن القمع والاضطهاد»، وحيث كان «الموت في كل مكان»، كما يكتب عمّا جرى في جيمس تاون، التي كانت أوّل مستعمرة دائمة أقامتها إنجلترا على الأرض الأميركية في مطلع القرن السابع عشر.
نواة أساسية
ويشرح أن «النواة الأساسية» لتلك المستعمرة جيمس تاون كانت مشروعاً ذا طابع تجاري شرع فيه بعض المهاجرين بدفع من شركة «فرجينيا» ذات النشاطات المالية. لكن الاستثمارات لم تكن ذات جدوى بسبب جهل مؤسسي المشروع بواقع المنطقة وقلّة الثروات والمعادن الثمينة فيها، على عكس ما صوّرت لهم أوهامهم. مع ذلك تابعت السفن تدفّقها من إنجلترا نحو الأرض الجديدة محمّلة بأسر كاملة هدفها الاستيطان وتجميع الثروات.
المحصّلة كانت في «جيمس تاون»، كما يشرح المؤلف، هي «إعلان شركة فرجينيا إفلاسها عام 1624» وفشل أولئك المهاجرين في تطوير كل المشاريع التي حملوها معهم. ونقرأ توصيفاً مثيراً للهلع الذي عاشه أولئك الباحثون عن الثروة، حيث يتم تحديد القول إنه خلال العقدين الأولين من إقامة المهاجرين الأوروبيين توفي ثلاثة أرباعهم، من جرّاء الجوع والمرض والقتل ومهاجمة الذئاب وسهام السكان المحليين من «الهنود الحمر»، بل لم يكن «أكلة لحوم البشر» غائبين عن المشهد.
لقد تتابعت موجات المهاجرين الإنجليز نحو العالم الجديد. ويؤكّد المؤلف أن اكتشاف نبات «التبغ» كان أحد العوامل التي شجّعت على تلك الهجرات، حيث انتشرت عادة التدخين وإدمانها بين المهاجرين الإنجليز وبالتالي سعى الأثرياء منهم إلى امتلاك مزارع للتبغ.
الحالات التي يذكرها المؤلف لمالكي مزارع التبغ كثيرة مثل منطقة خليج «شيزبيك»، التي غدت شبه مستقلّة، وخضعت لسيطرة عدّة عائلات إنجليزية استخدمت أعدادا من العاملين معها بـ«عقود». يفتح المؤلف في هذا السياق قوسين ليشير أن أولئك العاملين دخلوا في نزاعات فيما بينهم «بروتستانت ضد الكاثوليك» و«العاملين الإنجليز ضد بقيّة الأوروبيين» والجميع ضد الهنود. هنا أيضاً كانت العقود الأولى من القرن السابع عشر هي أيضاً بمثابة «سنوات بربرية» عرفت الكثير من الصراعات والنزاعات على خلفية المصالح والبحث عن السلطة.
وإذا كان المؤلف يولي القسم الأكبر من تحليلاته لدور المهاجرين الإنجليز فإنه يولي أيضاً أهمية استثنائية للهولنديين الذي يشكّلون أيضاً «أمّة من المهاجرين» ولهم باع طويل في مجال الاستعمار وحيازة المستعمرات. ويشرح المؤلف أن العديد من الشركات الهولندية تمّ انشاؤها مثل «نيو امستردام» وغيرها من قبل الشركة الهولندية للهند، التي رأت دورها في الإشراف والقيام بمهمة الرقابة.
وجني المكاسب بطريقة غير مباشرة من الجهود التي يقوم بها المستثمرون الخاصّون الذين يغامرون بتوطين سكان في مناطق العالم. وكانت النتيجة في المناطق الأميركية الواقعة على سواحل الأطلسي هي حالة من الفوضى والعنف والعنف المضاد، كما يشرح المؤلف.

