لا شك أن قصر الكرملين هو أحد أشهر مقرّات السلطة في العصر الحديث، حيث كان الصانع الرئيسي للتاريخ الروسي على مدى عدة قرون. وخلف جدران هذا القصر تمّ اتخاذ القرارات الكبرى وجرت الأحداث الأكثر سريّة وإثارة للدهشة، وحيكت المؤامرات والدسائس التي كانت السلطة في روسيا هي رهانها. وقد كان المقر الرسمي للقياصرة حتى نقل بطرس الأكبر مقرّها إلى سان بطرسبورغ، ثم لقادة الاتحاد السوفييتي السابق ليغدو اليوم المقر الرسمي ومكان عمل رئيس روسيا الاتحادية.
وقصر الكرملين هو بمثابة «القلب السرّي للتاريخ الروسي»، كما تشرح أستاذة التاريخ المعاصر في جامعة «الملكة ماري» في لندن كاترين ميريديل، في كتابها الذي يحمل عنوان «القلعة الحمراء». وتعبير «القلعة» ينحدر، حسب التفسير المقدّم، من كلمة روسية تعني «قلعة في مدينة»، وحيث كانت الوظيفة الأساسية الأولى للكرملين هي قلعة «يلجأ لها الروس من بطش الغزاة».
وتقدّم المؤلفة قصر الكرملين على أنه، من حيث وظيفته كقلب للسلطة الروسية وهندسته المعمارية التي تميّز في مظهرها وتاريخه المضطرب، يتم اعتباره مكاناً فريداً في العالم. وهي تقدّمه من خلال رؤيتين رئيسيتين على أساس أنه في الوقت نفسه «قصراً حقيقياً» بحجارته حمراء اللون، وبالدور الفعلي الذي لعبه كمركز للسلطة في روسيا، وكذلك بوصفه «فكرة خيالية» بما يمثّله من إبهام وما يثيره من خوف في الأذهان. وفي كل الحالات يبقى «قلعة يتيمة» عرفت التخريب مرّات عدة.
بهذا المعنى تشرح المؤلفة أن «القلعة الحمراء» لم تكن دائماً «مقر سلطة لا تُهزم»، بل عرف التخريب والتدمير وأُعيد بناؤها مرّات ومرّات. بل خدم لفترات من الزمن، حسب الظروف المحيطة ومسار التاريخ الروسي، كملجأ وكسوق وكـكنيسة، وكمقر سكن أرستقراطي.
وجسّد بالتالي في مساره التاريخي على مدى خمسة قرون من وجوده تعاقب دورات من التخريب والنهوض وشغل وظائف اختلفت كثيراً في طبيعتها من السياسة إلى المقر الديني وإلى المكانة الرمزية. وكان الكرملين قد تعرّض على مدى قرون لعمليات تخريب وهجوم من التتار في القرن السادس عشر ثم من البولنديين في بدايات القرن السابع عشر ومن الفرنسيين عام 1812 حيث كان لمدّة شهرين مقراً لنابليون الذي احتلت جيوشه موسكو. وعلى ضوء ما تعرّض له الكرملين ترى المؤلفة أن مسارات تخريبه وعمليات إعادة بنائه من جديد تتوازى مع مصير الدولة الروسية نفسها.
من هنا بالتحديد، تبرز أهمية العمل الذي تقوم به الأستاذة الجامعية البريطانية كاترين ميريديل في هذا الكتاب، حيث تفتح الكثير من الأبواب الموصدة للكرملين، ليتعرّف القارئ إلى ما يمكن أن يبدو بمثابة «سيرة حياة» لهذا القصر الذي ارتبطت صورته بالأذهان بمفهوم القلعة.
وتركز كاترين ميريديل في تحليلاتها على الدور الكبير الذي لعبته الحرائق في تاريخ الكرملين، والتي تعيدها لـ«أعمال ذات طابع مقصود ومخطط له» أو بسبب الإهمال.
وتتعرّض المؤلفة للحديث عن المؤامرات والدسائس التي عرفها قصر الكرملين منذ أن كان مجرّد قلعة إلى أن أصبح مقراً للسلطة السياسية في روسيا. وهي تقارن في هذا الصدد بين عمليات التعذيب والقتل والتآمر التي عرفها عهد القيصر إيفان الرهيب الذي كان قيصر روسيا خلال سنوات 1547 ـ 1585 وبين فترة حكم جوزيف ستالين الذي لا ترى فيه المؤلفة الاستثناء الوحيد في التاريخ الروسي.
المؤلفة في سطور
كاترين ميريديل، أستاذة التاريخ المعاصر في جامعة «الملكة ماري» في لندن، مختصّة بالتاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي لروسيا المعاصرة التي قدّمت عنه العديد من الدراسات والكتب، من مؤلفاتها: «موسكو السياسية وصعود ستالين»، و«حرب إيفان: الجيش الأحمر،1939 ـ 1945».
