هناك سلسلة طويلة من الكتب التي جعلت من مسألة الفقر في العالم موضوع اهتمامها، لكن كتاب «فقر الأمم» يتفرّد في كون مؤلفيه هما باري أسموس، باحث اقتصادي معروف وواين غروديم، الباحث في المسائل الإنجيلية. يحمل الكتاب عنوان «فقر الأمم». ومن الواضح أن هذا العنوان يحيل القارئ إلى الكتاب الشهير لأحد آباء الاقتصاد الرأسمالي آدم سميث الذي يحمل عنوان «ثروة الأمم».

في الفصول الأولى من كتاب «فقر الأمم» تتم دراسة «المنظومات الاقتصادية» السائدة في العالم اليوم، ثم يعالج المؤلفان على مدى فصلين المسائل المتعلّقة بـ«القوانين والسياسات الحكومية»، والفصل الأخير مكرّس لدراسة «القيم الثقافية العقلانية والمعتقدات»..

ويتم في هذه الفصول جميعها تحديد العوامل التي يعتبرها المؤلفان ذات أهمية جوهرية بالنسبة للنمو الاقتصادي. وذلك على اعتبار أن الاقتصاد مهم، و«كيف لا يكون مهماً وهو يتعلّق بزيادة البلدان أو تقهقرها في مجال إنتاج السلع؟».

وتتمثّل العوامل التي يتم التركيز عليها في التحليلات المقدّمة، على اعتبار أنها تساعد على إطلاق آليات الازدهار بـتوفّر دولة القانون وحماية الملكية الخاصّة وتأكيد أهمية التخصص في مختلف المجالات وحريّة التبادل التجاري والحرّية الاقتصادية، وامتلاك عوامل الحث الضرورية لخلق الثروة وإفساح المجال لآمال التعويض على الجهود مفتوحة.

براثن الفقر

وعلى مدى العديد من الصفحات يشرح المؤلفان ما يعتبران أنه أساسي من أجل «حسن سير» عمل أسواق التبادل الحر. ومن المسائل التي يتم التركيز عليها في هذا الإطار «ضرورة أن تتمتع سلطة اتخاذ القرارات بقدر كبير من اللامركزية»..

وضمان «القدرة على المنافسة عبر تعزيز سبل التعاون الإرادي»، و«اتخاذ جميع القرارات التي تحفّز الشركات إلى النشاط والوقوف إلى جانبها كي تكون مستعدّة لولوج الأسواق بقدر أكبر من الشجاعة ومن المخاطرة». وفي جميع الحالات يتم تأكيد أهمية التجديد في جميع الميادين.

وعلى مختلف الصعد التي يمكن أن تؤدي، في نظر مؤلفي هذا الكتاب، إلى إطلاق الآليات التي تفتح السبيل نحو تخلّص مختلف البلدان من براثن الفقر، يتم تأكيد ضرورة «امتلاك عملة مالية تتمتع بقدر مهم من الثبات»، و«تسهيل مختلف الإجراءات القانونية الخاصّة بالملكية وتجنّب اللجوء إلى فرض الضرائب المرتفعة». يتم التأكيد إلى جانب هذا كلّه على ضرورة اتخاذ إجراءات حماية ضد الفساد بكل أشكاله ومهما كانت مصادره.

سياسات

الباحث الاقتصادي إسموس ينظر إلى مسألة الفقر من زاوية النشاطات الاقتصادية والباحث الإنجيلي غروديم يراها من زاوية ما يسميه «الواجب الكنسي» في محاربة الفقر. وينبّه إلى أن الاقتصاد في الغرب متروك بصورة كاملة لـ«الخبراء» الذين لهم جدول أعمالهم الذي يخضع عامّة لاعتبارات السلطات السياسية. والإشارة في هذا السياق إلى الغياب شبه الكامل للكتب التي تعالج موضوع كيفية النضال ضد الفقر، وكيفية مساهمة الذين يريدون المساهمة في ذلك انطلاقاً من موقفهم العقائدي، الكنسي.

بكل الحالات يؤكّد المؤلفان اعتباراً من الصفحة الأولى من مقدمة الكتاب أنهما يحمّلان المسؤولية الكبرى في الفقر للسياسات الوطنية المحلّية التي تتخذها السلطات السياسية والاقتصادية في مختلف البلدان. نقرأ ما مفاده «إننا نركّز بحثنا على القوانين الوطنية والسياسات الوطنية على خلفية قناعتنا أن الأسباب الرئيسية للفقر هي عوامل تخصّ أمّة بكاملها».

ويشرح المؤلفان وجهات نظرهما الاقتصادية على ضوء الهدف الذي حدداه للكتاب في الأسطر الأولى، وهو مساعدة البلدان على مكافحة الفقر فيها. ويركزان على تبيين الأخطاء والمزالق التي تمّ ارتكابها على صعيد النشاطات الاقتصادية بالاعتماد على مختلف النظريات، ذلك مع استبعاد ما يسمّى بـ«النوايا الحسنة» في الاقتصاد، والتي قد تؤدّي إلى نتائج في غاية السوء أحياناً.

المؤلفان في سطور

باري إسموس اقتصادي حائز شهادة الدكتوراه من جامعة مونتانا. يعمل في المركز القومي الأميركي لتحليل السياسات، وهو مؤسسة غير ربحية تعمل على تشجيع القطاع الخاص، وواين غروديم يحمل شهادة الدكتوراه من جامعة كامبردج. وهو مجاز من جامعة هارفارد. أخصائي بالدراسات الإنجيلية. سبق له أن قدّم ما يربو على عشرين كتاباً.