هناك الملايين من اللبنانيين المهاجرين الذين يقيمون في العديد من أصقاع الأرض، قسم مهم من هذا الشتات يعيش في القارّة الإفريقية، وخاصة في بلدان غرب تلك القارّة الناطقة باللغة الفرنسية. هؤلاء اللبنانيون المهاجرون إلى بلدان غرب إفريقيا هم الذين يخصهم المؤرّخ اندرو ارسان بكتاب تحت عنوان «دخلاء الإمبراطورية».

هذا الكتاب هو العمل الأول الذي يتم فيه تحديدا دراسة كل ما يتعلّق بأوضاع اللبنانيين الذين يعيشون في بلدان غرب القارّة الإفريقية منذ عقود عديدة، وحيث أصبح للعديدين منهم مكانة مرموقة في المجتمعات التي يعيشون فيها.

وما يؤكّده المؤلف بأشكال مختلفة وبالأرقام هو أنه منذ أكثر من قرن من الزمن هناك جالية لبنانية كبيرة في بلدان غرب إفريقيا. هكذا تتم دراسة موجات الهجرة المتتالية منذ نهايات القرن التاسع عشر وحتى موجة المهاجرين اللبنانيين الكبرى الثالثة في سنوات الثمانينيات والتسعينيات المنصرمة، إبان الحرب الأهلية.

تاريخ هجرات

ويشرح المؤلف على مدى العديد من الصفحات كيف أن تلك الهجرات اللبنانية إلى إفريقيا الغربية واجهت في أوقات كثيرة محاولات «ضبطها»، من قبل السلطات الفرنسية «الإمبراطورية». وبدا من خلال التجربة أنه كان من العسير جدا تاريخياً فرض إجراءات فعّالة على حركة المهاجرين القادمين من مناطق أخرى من الإمبراطورية الفرنسية.

هكذا حاول المسؤولون الإداريون في الحكومة المحليّة في غينيا مثلا اعتباراً من عام 1905 اتخاذ مجموعة من الإجراءات الرامية بالدرجة الأولى إلى إغلاق الأبواب أمام أولئك «الدخلاء» من رعايا الإمبراطورية الذين كانوا قد بدأوا بالتوافد منذ نهايات القرن التاسع عشر إلى منطقة غرب القارّة الإفريقية الخاضعة للسلطة الإمبريالية الفرنسية والقادمين من الضفاف الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، وما يتناظر اليوم مع لبنان وسوريا. والإشارة أن حاكم «فيدرالية داكار» تبنّى كذلك سلوكا مشابهاً.

ومما يُذكر أنه منذ نهايات سنوات الثلاثينيات من القرن الماضي كان يوجد، بصفة مُقيم دائم، حوالي 6000 من اللبنانيين والسوريين في بلدان غرب إفريقيا، وكان مثل ذلك العدد كبيرا حسب معايير تلك الفترة الزمنية.

حركة هجرة

كما أن الهجرة كانت تندرج في إطار حركة هجرة كبيرة آنذاك، انطلاقاً من منطقة جبل لبنان، وخاصّة من بين الموارنة، وموجة الهجرة الثانية الكبرى استمرّت لعقود بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. ذلك بعد أن تعزز الوجود الفرنسي في منطقة الشرق الأوسط مع انهيار الإمبراطورية العثمانية وقيام سلطة انتداب فرنسية في لبنان وسوريا.

وقد شجعّت تلك السلطة هجرتهم إلى مناطق نفوذها في إفريقيا الغربية. هكذا قامت صناعات النسيج الأولى في الكاميرون على يد لبنانيين وكذلك صناعات بلاستيكية في كوناكري بغينيا وكذلك بدأت الاستثمارات في مجال المزارع.

إن موجة الهجرة من لبنان تباطأت مع نشوب الأزمة الاقتصادية الكبرى عام 1929 وما رافقها ونتج عنها من «الكساد الكبير» على المستوى العالمي حيث غدت إفريقيا، مثل غيرها، أقل جذباً للمهاجرين. لكن بقي دور سلطة الانتداب الفرنسي يذهب باتجاه تشجيع الهجرة، خاصّة أن التوسّع الاستعماري الفرنسي في إفريقيا كان يتطلّب قدراً متزايداً من الاستثمارات.

الموجة الثالثة من المهاجرين تزامنت مع حركة الاستقلال التي عرفتها البلدان الإفريقية في ستينيات القرن الماضي وبعد أن تمّ إعلان استقلال وسيادة لبنان عام 1943. في مثل ذلك السياق تزايدت قدرة استيعاب البلدان الإفريقية المستقلّة حديثاً، وعلى رأسها السنغال وساحل العاج ومالي وغينيا وموريتانيا، للمهاجرين ذوي الخبرة التي كان لبنان أحد مصادرها.

مُقيمون نشطون

هكذا تزايد عدد المهاجين من بلدان المشرق عموماً ومن لبنان خصوصاً. هذا مع تحوّل في توجّه المهاجرين نحو تنويع نشاطاتهم وممارسة العديد من المهن الحرّة مثل الطب والمحاماة والهندسة، خاصّة من قبل الأجيال الجديدة التي تكوّنت في المؤسسات العلمية والجامعات الحديثة.

كان غالبية من أولئك المهاجرين يعملون في مجال الوساطة التجارية أو وكلاء لشركات خارجية تعمل في قطاعي التجارة أو الخدمات. وكان عدد مهم منهم يشترون المحاصيل الإفريقية الشهيرة وعلى رأسها الفول السوداني وزيت النخيل وجوز نباتات الكولا وغير ذلك من المنتجات الإفريقية. بالمقابل كان الأفارقة يمثّلون بالنسبة لهم «مستهلكين» هامّين لبعض السلع الاستهلاكية قليلة الصنع في إفريقيا وخاصّة الأنسجة المتنوّعة والملابس الجاهزة.

من السمات الأساسية التي يتم التأكيد عليها بالنسبة للبنانيين المقيمين في إفريقيا منذ أجيال في الكثير مـــن الحالات هي أنهم «مندمجون جيّداً في المجتـــمعات التي يعـــيشون فيها، لكنهم لا يزالون لبـــنانيين في أعماقهم ولاتزال صلاتهم وطيدة مع «الوطن الأم». وفي جميع الحالات حافظوا على صورة إيجابية لهم في أذهان الأفارقة، خاصّة من حيث نشاطهم وفعاليتهم في العمل. وهم من خلال تلك المواصفات «مطلوبون» في سوق العمل ويلعبون دوراً مهماً في مختلف ميادين نشاطاتهم في البلدان التي يوجدون فيها.

المؤلف في سطور

اندرو ارسان مؤّرخ سياسي وثقافي للشرق الأوسط الحديث، يولي اهتماما خاصا للتأريخ للحقبة الإمبريالية الفرنسية والبريطانية في الشرق الأوسط، من مواليد بيروت في لبنان وعاش في باريس ولندن، خريج جامعة كمبردج وله العديد من الساهمات في صحف ودوريات عالمية حول مواضيع اهتمامه.