تعددت الدراسات التي جعلت من العلاقات بين الصين والولايات المتحدة الأميركية وموازين القوى بينهما في هذا القرن الحادي والعشرين موضوعاً لها. ذلك على أساس أن الصين الصاعدة هي القوة الحقيقية التي يمكن أن تشكل الوزن المقابل لأميركا، القوّة العظمى الوحيدة في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق.

والكاتب الصحافي البريطاني جيوف داير، الذي أمضى سنوات عدة في الصين ثمّ في أميركا كمراسل وكمدير مكتب صحيفة «فيننشال تايمز» يكرّس كتابه الأخير «مباراة القرن»، كما جاء في عنوانه، لبحث ما يسميه «العصر الجديد للمنافسة مع الصين ــ وكيف يمكن للولايات المتحدة أن تنتصر»، كما جاء في عنوانه الفرعي.

يشرح المؤلف أن المنافسة الصينية ـ الأميركية ستشمل جميع ميادين النشاطات، ابتداءً من محاولة السيطرة على البحار حيث تكرّس الصين «ميزانية عسكرية ضخمة ولا تحترم الحدود التي يفرضها القانون الدولي على حدودها البحرية». بل التأكيد أنها تريد أن تجعل من البحار المحيطة بها مجالاً خاصاً، وتتحرّك فيه على هواها دون حسيب أو رقيب حتى لو كانت عواقب ذلك هي الدخول في نزاعات قد تغدو «مُسلّحة»، مع جيرانه وحتى مع الولايات المتحدة التي تتواجد سفنها في مضيق تايوان.

ويجد جيوف داير في المسائل البحرية مؤشرات مهمّة على النوايا الصينية، وتتمثل إحدى المرجعيات في هذا الشأن بالكتاب الذي أصدره قبطان بحري عام 1890 اسمه الفريد تاير ماهان تحت عنوان «تأثير القوّة البحرية في التاريخ ما بين 1660 و1783». وقد تمّ اعتبار مؤلفه «مذنباً» لأنه قدّم نظريات تحث على السباق للتسلّح وما كان وراء نشوب حروب مأساوية».

لكن ذلك الكتاب وجد اهتماماً كبيراً في الصين. ويحدد داير الدرس الذي استخلصه الصينيون منه بأنه إذا أرادت الصين أن تغدو قوّة كبرى عليها أن تستطيع منافسة القوّة البحرية للولايات المتحدة، ذلك على الأقل في منطقة نفوذها. ويختصر المؤلف الطموح الأوسع للقادة الصينيين بالجملة التالية: «إن القادة الصينيين يفكرون كثيراً بناء قوتهم حسب منظور جيوستراتيجي وهم يطمحون إلى نسف أسس القوّة الأميركية تدريجياً».

ومن الملاحظ أن مؤلف هذا الكتاب لا يرى في الوضع الداخلي الصيني عائقاً أمام الطموحات الدولية الكبرى للصين. وعلى خلاف العديد من المحللين والمراقبين والمنظّرين الاستراتيجيين، الذين يعتبرون أن القادة السياسيين للصين مأخوذون بتعزيز اللبنة الداخلية للنظام وليس لديهم ما يجعلهم ينظرون لتوسيع نفوذ بلادهم على رقعة الشطرنج الدولية، يؤكّد في تحليلاته أن «غياب الأمن الداخلي، وبعيداً عن ردع البلاد ودفعها للانطواء على النفس، ينعش لديها رغبة السير عالية الرأس على المسرح الدولي».

ومن المرامي البعيدة التي يؤكّد المؤلف أن الصين تسعى لتحقيقها هناك إعادة صياغة قواعد الاقتصاد العالمي وبأن تكون لها كلمتها في شؤون العالم المصيرية.

المؤلف في سطور

جيوف داير هو ناقد أدبي وصحافي وكاتب بريطاني مقيم في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأميركية، عمل كمراسل لـ«الفيننشال تايمز» في الصين والبرازيل والولايات المتحدة، يعتبره النقاد أحد أكثر الكتّاب الصحافيين في ميادين الإبداع والبحث.