عرفت روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي حالة من التساؤلات الكبرى حيال مستقبلها. وبعد سنوات حكم بوريس يلتسين، أول رئيس روسي في حقبة ما بعد الشيوعية، التي اتسمت بقدر كبير من الفوضى، وصل الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين إلى الحكم عام 2000، واستمرّ فيه حتى اليوم، مع فترة مستقطعة أمضاها كرئيس للحكومة في بلاده.
ما يردده كُثر حول روسيا في ظل بوتين، هو أنها تريد أن تكون وريثة الاتحاد السوفييتي ــ القوّة العظمى السابقة ــ بل ووريثة أمجاد القياصرة، ووريثة التاريخ الروسي. وتتكاثر في العالم عامّة، وفي أوروبا والغرب خاصّة، اليوم الأسئلة حول الموقع الحقيقي الذي تشغله روسيا على المسرح الدولي، ومدى قوتها والدرجة التي بلغتها على صعيد التقدّم. فأين هي روسيا اليوم؟
الأستاذ الجامعي الفرنسي جورج سوكولوف، الاختصاصي بالشأن الروسي، يكرّس كتابه الأخير لمحاولة تقديم إجابته عن هذا السؤال. وبعد أن كان قد قدّم عملاً سابقاً عمّا أسماه «الانبعاث الروسي»، يعود في هذا العمل الجديد للحديث عن الوجه الآخر، التاريخي والمزمن لروسيا، والمتمثّل في «التخلّف الروسي»، حيث يعود لدراسة هذا التخلف منذ عام 884 وحتى العام الحالي 2014، كما يقول عنوان الكتاب.
اختيار عام 884 كبداية للتاريخ الروسي، يتوافق مع السنة التي وصل فيها قائد الفايكنغ اوليغ إلى السلطة بروسيا. ويحدد المؤلف القول إنه يولي اهتمامه بالدرجة الأولى للجانب التاريخي الروسي لأنه، حسب رأيه، يشرح: «الخصوصية الروسية» أكثر مما يشرحها الاقتصاد.
وإذا كان سوكولوف يؤكّد على حقيقة «التخلّف الروسي»، الذي جعل منه عنوان الكتاب، فإنه يربط هذا التخلّف بمنعطف تاريخي عرفته روسيا، ويتمثل في الغزوات المغولية التي دفعت الروس نحو الانكفاء «رعباً». خاصة أن جنكيز خان وجنرالاته اعتمدوا مقولة مفادها، إن ذروة الإذلال التي يمكن إلحاقها بعدو هي سفك دمه، كما نقرأ.
ويشرح المؤلف بإسهاب كيف أن الغزاة المغول لم يتركوا عملياً من فترة احتلالهم لروسيا التي استمرّت قرابة قرنين من الزمن، سوى «ذكريات المذابح». وإذا كانت أجيال من الروس مارسوا «الخضوع والانكفاء»، بسبب وزن التاريخ المأساوي الذي كانوا ضحيته، كما يشرح المؤلف، فإنه يؤكّد بالمقابل، أن ذلك لم يمنع من القيام بـ «انتفاضات عديدة»، وغالباً ترافقت مع «تجاوزات في العنف» يتم تحديد القول إنها تشكل «أحد سمات الخصوصية الروسية».
المؤلف يستعرض في هذا الكتاب الصغير الحجم أكثر من 1100 سنة من التاريخ الروسي، أي ما يتناظر مع هذا التاريخ منذ أصوله الأولى حتى اليوم. ويؤكّد أن الروس تعرّضوا في بدايات تاريخهم، وخاصّة اعتباراً من بدايات القرن الثالث عشر وحتى أواسط القرن الخامس عشر، إلى الكثير من مصادر التهديد بعدم الأمن وعدم الاستقرار، كان «المغول» من أكثرها شراسة.
لكن اعتباراً من عام 1480 تقريباً، أصبح الروس أنفسهم هم مصدر التهديد للآخرين، حيث نما لديهم «حلم إمبريالي» للتوسّع وإقامة إمبراطورية يكونون هم رأسها ومركزها. مثل ذلك الحلم ومشروعه التوسّعي، هو الذي ترجمه القادة الروس منذ القديم حتى اليوم بـ«العظمة الروسية». لكنه ظلّ حلماً مشوباً بالرعب ونزعة الانكفاء على الذات.
ويشير جورج سوكولوف أن الاستثناء الكبير لمثل هذه المقولة «التخلف الروسي مقابل التفوّق الأوروبي»، كان في حوالي عام 1000 من هذا العصر الميلادي، حيث كانت «أوروبا وروسيا على نفس المستوى من التطوّر».
المؤلف في سطور
جورج سوكولوف أستاذ جامعي فرنسي، مختص بالشأن الروسي، يعمل في المعهد الوطني الفرنسي للغات والحضارات الشرقية بباريس. وهو مستشار في معهد الدراسات المستقبلية والمعلومات الدولية. من مؤلفاته: «الاقتصاد المطواع» و«القوّة الفقيرة» و«انبعاث روسيا»، وغيرها.
