لا شك أن الطاقة ومصادر التزوّد بها تشكل أحد التحديات الأساسية التي تواجهها الحضارة الحديثة. ولا شك أن البلدان الصناعية الكبرى والبلدان الصاعدة، وفي مقدمتها الصين، تبني استراتيجياتها على المدى المتوسّط والبعيد على أساس قدرتها على التزوّد بالطاقة، وهي بالتالي في حالة بحث دؤوب من أجل تأمين مصادر ثابتة للتزوّد بها.
الباحث البريطاني المختصّ بمسائل الطاقة جيريمي لوغيت، يكرّس كتاباً لما يسميه «طاقة الأمم»، ويدرس فيه «المخاطر التي تواجه المجتمعات وسبل النهوض» في منظور مستقبلي، كما يفيد العنوان الفرعي للكتاب.
تحديات هائلة
الأفكار الأساسية في هذا العمل تدور حول «مخاطر التزوّد بالبترول والصدمة المناخية وشبح الانهيار المالي، وهي تهدد كلّها اقتصاد الغد. ثم إن الشركات وأصحاب القرار السياسي يواجهون تحديات هائلة من أجل تأمين مصادر تمويل العالم القادم، كما نقرأ في السطور الأولى. وبعد أن يعلن المؤلف بأشكال مختلفة خشيته من تكرار الأخطاء التي تمّ ارتكابها في القطاع المالي، يذهب أبعد من الخشية والتخوّف..
والقول إن هناك أجواء «حرب أهلية» بين القوى العاملة في قطاع الطاقة، والتي يقسمها إلى «قوى الخير» وقوى «الشر». ويشرح أن هذه الحرب «معقّدة»، مثل جميع الحروب الأهلية في التاريخ، حيث يوجد «خصوم يعيشون تحت نفس السقف». ويشرح أنه في مجال الطاقة، هناك آراء متعارضة جذرياً حيال منظور المستقبل.
خاصّة أن البعض يرون اليوم أن «منظومة تفكيرهم في مجال الطاقة» هي مهددة بالزوال. بالتالي، تزداد المعارك ضراوة في الفترات النهائية للحروب. المثال البليغ على ذلك يجده المؤلف في الحرب العالمية الثانية. والحالة نفسها تتكرر، برأيه، في الحرب الأهلية الدائرة اليوم حول الطاقة ومستقبلها.
حقبة جديدة
وفي الوقت الذي لا يستبعد فيه أفق احتمال وقوع «حادث كبير على صعيد مصادر الطاقة» في السنوات القليلة القادمة، فإنه لا يستبعد في الوقت نفسه إمكانية أن تنتهي الأمور إلى «حقبة جديدة من التعاون الدولي»، تتوصّل في إطارها الحكومات والشركات الكبرى العاملة في حقل الطاقة إلى إيجاد منظومة جديدة لتأمين «طاقة الأمم»، كما جاء في عنوان الكتاب، وبحيث يكون مستقبل العالم الذي نعيش فيه «مضموناً» بصورة مستدامة.
يحدد جيريمي لوغيت عدداً من الأخطار الأساسية التي يرى أنها تتكرر باستمرار في قطاع الطاقة، ويشير أن هناك الكثير من المؤشرات التي تدلّ على أن الأخطار ستزداد خطورة بمرور الزمن إذا ظلّت الممارسات الحالية هي السائدة ولم تتم مراجعتها جذرياً. ومن أهم تلك المخاطر، هو أن مصادر الطاقة الحالية المتمثّلة خاصّة بالبترول، حيث سيتم الوصول إلى قمّة في قدرة الإنتاج، يليها التقهقر وشبح النضوب في فترة لاحقة.
الخطر الكبير الآخر يجده المؤلف في «التبدّل المناخي»، الذي يؤكّد على ضرورة النظر إليه في رؤية جامعة مع المستقبل البترولي. والإشارة أن المنظور الحالي للمسألتين هو الاكتفاء بالبحث عن «مصادر طاقة بديلة».
ويضيف أنه مهما تعددت الآراء، تبقى مصادر الطاقة الحالية هي المسؤولة عن تغيّر المناخ. بالتالي، لا بد من الجمع بين المسألتين. والتأكيد أن «الخطاب السائد» الذي تعززه سائل الإعلام في اتجاه أو في آخر، يمكن أن يكون شديد الخطورة.
حلول بديلة
إن المؤلف يناقش على مدى العديد من الصفحات، الآليات التي تجعل البشر يدافعون فردياً وجماعياً عمّا هو قائم، بعيداً عن الخوض في البحث عن حلول بديلة جديدة. ويعتمد في دعم مقولاته بآخر الاكتشافات التي توصّلت لها العلوم المتعلقة بدراسة السلوك الإنساني في جميع الحقب.
ومن الأفكار الأساسية التي يؤكّد عليها المؤلف في كتابه، هو أن الرأسمالية بنسختها الحالية السائدة، يمكن أن تكون وبالاً على العالم الرأسمالي نفسه، ومن خلال ذلك على الاقتصاد العالمي بشكل عام، ويشرح المؤلف أن عدداً من المفاهيم الرأسمالية التقليدية «قد عفا عليها الزمن». وبالتالي، هذا يتطلّب البحث عن تعريف جديد لها.
المؤلف في سطور
جيريمي لوغيت، باحث بريطاني يعمل في إطار البحث عن مصادر الطاقة، وخاصّة الطاقة الشمسية، وهو مؤسس ومدير مركز للبحث في هذا الميدان باسم «قرن الطاقة الشمسية»، سبق له وقدّم كتاباً شهيراً أثار الكثير من الجدل، تحت عنوان «حرب الكربون».

