من الظواهر الأكثر بروزاً في عالم اليوم تزايد عدد المهاجرين، حيث تمثّل البلدان الغنية الوجهة الرئيسة لهم مهما تعددت الأسباب الكامنة وراء ذلك. وبعد أن أنجزت أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه عن الهجرة، وكرّست عدداً من الدراسات والكتب لمسائل خاصّة بالهجرة، تذهب الأستاذة الجامعية الأميركية سوزان ف. مارتن، المختصّة بمسائل الهجرة في العصر الحديث في التوجّه نفسه في كتابها الأخير الذي يحمل عنوان «الهجرة الدولية»، الذي تدرس فيه تطوّر توجهات الهجرة في العالم منذ بدايات القرن العشرين وحتى الوقت الراهن.

تشير المؤلفة في البداية إلى أن مسائل الهجرة جرى التعامل معها على الصعيد العالمي حتى فترة قريبة جداً، وفي أغلب الحالات حتى اليوم، من منظور يخص كل بلد على حدة وفي غياب أي تنسيق حقيقي على المستوى العالمي، بل ساد نوع من الحذر من طرح هذه المسألة على صعيد عالمي. هذا في وقت لم تعد فيه ظاهرة ظرفية، ولكنها ذات طابع «بنيوي» بالنسبة للبلدان الأصلية للمهاجرين ولبلدان الهجرة لأسباب ديموغرافية واقتصادية وأحياناً سياسية.

وساد بشأن الهجرة وسياساتها التأكيد على مفاهيم «السيادة الوطنية» بشأن كل من يدخل أراضي الدول المعنيّة بالهجرة ويمكث فيها. والنتيجة كانت، كما تشير، هي التعامل مع «الهجرة الدولية» على أساس «التوجيهات الوطنية» وعبر التصرّفات من جانب واحد، وبعيداً عن أي تضامن حقيقي.

مع ذلك تحدد سوزان مارتن القول، إنه اعتباراً من نهاية الحرب العالمية الثانية جرى النظر إلى مسألة الهجرة من قبل الباحثين وأصحاب القرار في العالم الغربي عامّة من خلال ذهنية تقوم على «ضرورة التضامن». وتعتمد المؤلفة التاريخ الذي يعود إلى مطلع عقد العشرينيات من القرن الماضي، على أنه النقطة التي يمكن انطلاقا منها رسم مسار تطوّري للموقف من الهجرة، بحيث تمّ بذل الجهود الرامية منذ ذلك الحين حتى اليوم إلى زيادة التعاون الدولي في هذا المجال.

وتدرس مؤلفة هذا الكتاب في مختلف فصوله الهجرة الدولية من مختلف وجوهها. هكذا يتم التعرّض لـ«الهجرة من أجل العمل»، و«الهجرات القسرية»، و«الهجرات بفعل التغيرات المناخية»، و«المسائل المتعلّقة بلمّ شمل الأسر»، و«اللجوء السياسي والإنساني»، والفصل الأخير من الكتاب يبحث سبل تعزيز سبل التعاون الدولي في هذا المجال الحسّاس.

ما تؤكّده المؤلفة هو أن حق الهجرة أمر أساسي في عالم متداخل وغدا أكثر أساسية في ظل منظومة العولمة السائدة اليوم، كما أن العديد من المهاجرين يدفعون حياتهم ثمناً لمحاولاتهم الهجرة إلى حيث يعتقدون أن سبل الحياة تؤمّن لهم قدراً أكبر من العيش الكريم.

وتتحدث المؤلفة عن إمكانية مساهمة المهاجرين في دفع عجلة الاقتصاد في بلدان تحتاج إلى اليد العاملة، مثلما هو الحال في أوروبا اليوم.

وتشرح أن الهجرة بقصد العمل تبقى هي الأكثر شيوعاً في الحقبة الراهنة، وما يتم التأكيد أنه لا يمكن اختصار واختزال المسائل المتعلّقة بالهجرة الدولية على المهاجرين الاقتصاديين واللاجئين السياسيين الذين يزيد عددهم عن عشرة ملايين لاجئ في العالم أو اللاجئين لأسباب إنسانية لأسباب تتعلّق بالعرق أو بالمعتقد أو بالجنسية أو الانتماء إلى مجموعة اجتماعية أو بسبب الآراء السياسية.

أو أولئك الذين تشملهم ظاهرة «هجرة الأدمغة»، بل ينبغي إعطاء أهمية كبيرة لأعداد المهاجرين المتزايدة لأسباب طارئة مناخية أو بفعل الكوارث الطبيعية ونتيجة لها أو غير ذلك.

المؤلف في سطور

 حصلت سوزان ف. مارتن، مؤلفة هذا الكتاب، على شهادة الدكتوراه من جامعة بنسلفانيا، وتعمل أستاذة للهجرات الدولية في جامعة جورج تاون الأميركية، وتدير في إطار الجامعة مركز الدراسات المتعلّقة بشؤون الهجرة والمهاجرين في العالم. من مؤلفاتها: «الأزمات الإنسانية والهجرات: الأسباب والنتائج والإجابات»، و«أمّة من المهاجرين»، و«إدارة الهجرات».