العولمة هي السمة الأساسية للعالم الذي نعيش فيه اليوم وهي المحرّك الرئيسي المؤثر في جميع قطاعات النشاط، في الاقتصاد أوّلاً ولكن أيضاً في المجتمع والثقافة والسياسة ومختلف نواحي الحياة. وإذا كانت العولمة قد ولّدت نمطاً جديداً من الرأسمالية تحت عنوان الليبرالية العريض، بمعنى سيادة قوانين السوق وحرية التبادل التجاري، فإنها خلقت بالمقابل ما يسميه الأستاذ في جامعة بريستول آدم د. ديكسون «الجغرافيا الرأسمالية الجديدة»، يدرس فيه المؤسسات والمال والمجتمع في ظل العولمة الليبرالية السائدة.
الفكرة الأساسية التي ينطلق منها المؤلف مفادها أن الرأسمالية في السياق العالمي الراهن لم تكن كما كانت عليه في نسخها العديدة السابقة التي اتسمت بوجود قاسم مشترك أساسي هو أنها كانت ذات نمطية مطبّقة في بلدان معسكرها كلّها بمواجهة النماذج الاقتصادية والمجتمعية الأخرى.
الجغرافيا الرأسمالية الجديدة تتسم، كما يصفها المؤلف، بأنها «منظومة متنوّعة» فيها عدّة أنظمة مالية في إطار «اقتصاد عالمي موحّد» تفرضه العولمة كأحد مستلزمات استمرارها. وتذهب تحليلات ديكسون في ثلاثة اتجاهات يحاول أن يشرح فيها المسار الذي أدى إلى جعل الاقتصاد مرهوناً بالمال وخلق ديناميات اجتماعية جديدة وزيادة الرفاهية في البلدان الصناعية المتقدّمة.
ويناقش المؤلف على مدى صفحات هذا الكتاب سلسلة من النظريات المطروحة على الصعد الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة. وخاصّة تلك التي تتعلق بالجغرافيا الجديدة للرأسمالية التي أنتجتها قواعد العولمة النيوليبرالية التي فرضتها العولمة وقوانين السوق.
ومن المسائل الأساسية التي يتعرّض لها المؤلف ظاهرة يعتبرها أحد السمات الهامّة وأحد العوامل الفاعلة في رسم خارطة الجغرافيا الرأسمالية الجديدة في عالم اليوم. تلك الظاهرة هي تلك التي تتمثّل في نقل النشاطات الاقتصادية من بلدان يتم تصنيفها بين الدول الغنيّة والمتقدّمة إلى بلدان تنتمي حسب التصنيف التقليدي إلى العالم الثالث.
الأسباب الأساسية التي يتم تقديمها لعملية الانتقال «الهجرة» من بلدان متقدمة إلى بلدان أقل تقدما تتحدد عامة بارتفاع أجور العمل في البلدان الغنية وقلّة كلفة الإنتاج في البلدان «المضيفة»، وإرادة المستثمرين في زيادة أرباحهم وتحقيق مصالح المجموعات المنبثقة عامّة عن دوائر الأسواق المالية العالمية. بتعبير آخر يتم توجيه الاتهام لما يبدو سلوكاً «تعسفياً» تفرضه ضرورات تخفيض الكلفة من جهة و«دكتاتورية المال» من جهة أخرى.
ما يتم التأكيد عليه بالتوازي وفي مواجهة هذه الأسباب هو أنه لا يمكن التركيز على كلفة الإنتاج وارتفاع الأجور وطمع المستثمرين باعتبارها كلّها ووحدها «المفتاح الوحيد لولوج عالم المنافسة»، وبالتالي انها المسؤولة وحدها عن رسم «خارطة جغرافيا جديدة للرأسمالية».
المؤلف في سطور
يحمل آدم د. ديكسون شهادة الدكتوراه من جامعة أكسفورد، ويعمل أستاذاً للجغرافيا الاقتصادية في جامعة بريستول. حاضر أو قام بأبحاث في إطار جامعات ستانفورد وأكسفورد وهايدلبيرغ. تتركز أبحاثه حول الجغرافيا الاقتصادية المقارنة وعلى جغرافية المال والاقتصاد السياسي. من مؤلفاته «الصناديق السيادية»، و«إدارة المخاطر المالية».
