دخلت الإنترنت وما رافقها من وسائل التواصل الاجتماعي، «الفيسبوك وتويتر» وغير ذلك من تكنولوجيات ما يسمى بـ «الويب الاجتماعي» حياة البشر اليومية. وهناك اليوم جزء كبير من الإنسانية يتواصلون فيما بينهم دون أي لقاء حقيقي ودون أن يعرف كل منهم عن الآخر أكثر مما يريد هذا الآخر أن يقدّم نفسه فيه، الأمر الذي لا يمكن تحقيقه في المجال الذي يمثله الواقع الحي.

فهل نحن أمام ثورة على صعيد العلاقات الاجتماعية بالمعنى الذي توفّر فيه وسائل التواصل الاجتماعي هامشاً واسعاً من الحريّة ويزداد اتساعاً مع القفزات الكبرى التي تحققها تكنولوجيات الثورة الرقمية، أم أن مشاعر الحرية التي توفرها الوسائل المعنية هي بالأحرى «مشاعر خادعة»، وأن وسائل التواصل الاجتماعي هي بالقسم الأكبر منها «مشاريع تجارية» وأنها ترمي إلى «برمجة سلوك البشر» بطريق تؤمّن الكسب الكبير لمالكي تلك الوسائل؟

الأستاذة في جامعة فوردام اليس و. ميرويك، التي جعلت موضع اهتمامها الأوّل هو البحث في أنماط الثقافة الأميركية الرقمية وكيفية تغلغل الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في صميم الثقافة الأميركية المعاصرة تحاول في كتابها الأخير الإجابة عن السؤال المطروح الخاص بمعرفة إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي هي في خدمة حريّة البشر، أم هي بالأحرى في خدمة مصالح الشركات والمجموعات المالكة لها؟

المشكلة كما تحددها المؤلفة هي أن وسائل التواصل الاجتماعي ليست اجتماعية، ولكنها «فردية بامتياز»، ذلك باعتبارها تقوم على أساس أنها تعوّض، أو تزعم أنها تعوّض، كما تحدد المؤلفة القول، عن العزلة بفتح إمكانية الترويج للذات. وهذا ما لا ترى فيه أليس ميرويك أكثر من إيديولوجية نرجسية بعيدة عن الذهنية الاجتماعية القائمة على التواصل الإنساني.

إن المؤلفة تميل بالأحرى في تحليلاتها إلى القول إن وسائل التواصل الاجتماعي هي بمثابة دافع نحو الدخول في قوالب من السلوك المبرمج والامتثال لما يراد تقديمه على أنه «فعل حر». وتشير منذ البداية إلى «تغيّر كبير» شهدته الثقافة الرقمية في الولايات المتحدة الأميركية ما بين النصف الأول من العقد الأول في هذا القرن وبين الواقع القائم اليوم، حيث غدا اللجوء إلى «آخر تحديث» للحالات جزءاً مهماً من الحياة اليومية لملايين البشر.

هكذا إذا كانت سنوات 2000 إلى 2005 تبدو قريبة جداً على قياس الزمن العادي فإنها تبدو «من الحقبة القديمة» بالنسبة لتكنولوجيا ثورة المعلومات. ذلك أن أشياء كثيرة قد تغيّرت بسرعة مذهلة على الصعيد التكنولوجي. ففي عام 2006، مثلاً كان أغلبية الأميركيين يملكون جهاز هاتف رقمي عادياً «فليب» ولم يكن جهاز «أيفون» آنذاك أكثر من مجرّد إشاعة. ثم إن جهاز «آيباد» لم يتم طرحه في الأسواق سوى في عام 2010، ولم يكن «فيسبوك» قبل سنوات قليلة سوى في بداياته ورهناً باستخدام طلبة المدارس الثانوية.

وتخلص المؤلفة إلى توصيف تلك الوسائل على أنها نوع من «تكنولوجيات الإرادة الذاتية» حسب فكرة كان قد قدّمها سابقاً الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو.

وتشرح المؤلفة على مدى صفحات هذا الكتاب أن هذه الوسائل كلّها ساهمت بالأحرى في «تشجيع الأنا الذاتية»، بل والبحث عن الشهرة «عبر الشبكات».

إن السمة الأساسية التي تؤكد عليها المؤلفة بالنسبة لثقافة الإنترنت هي أنها «ثقافة سطحية»، وهي تعود كثيراً إلى التذكير أن أولئك الذين يصلون إلى الشهرة عن طريق آليات شبكة الإنترنت إنما هم «صناعة مدروسة» بعناية، رغم مزاعمهم الكبيرة أنهم بلغوا تلك الشهرة على قاعدة «مصداقية» ما يتمتعون به من صفات تسمح ببلوغ مكانة متميّزة.

المؤلف في سطور

 

أليس و. مورويك أستاذة جامعية أميركية متخصصة في دراسة الآثار الاجتماعية والثقافية لوسائل الاتصال والإعلام الحديثة، تقوم بتدريس مادة الإعلام في جامعة فوردهام.