اشتهرت فرنسا بأنها بلاد التنوير بامتياز وأنها بلاد الكتّاب والأدباء الكبار الذين تركوا إرثاً أدبياً ثرياً للإنسانية كلّها. وليس من أقلّ الأدباء الفرنسيين في العالم أسماء مثل فكتور هوغو صاحب رواية «البؤساء»..
التي تمّت ترجمتها إلى أغلب لغات العالم وارتور رامبو مؤلف «إشراقات» الشعرية ذات المكانة الفريدة في الشعر العالمي والبير كامو صاحب رواية «الغريب»، التي عرفت عشرات الطبعات منذ صدورها في أواسط القرن الماضي. هذه ليست سوى بعض الأسماء من قائمة طويلة من مشاهيرالأدب والفكر الفرنسيين.
ومن نافلة القول أنه كان للأدب حتى فترة قريبة مكانة استثنائية لدى الفرنسيين، رسمياً وشعبياً، لكن يبدو أن هذا الماضي قد «مضى». ومن هنا يطرح الكاتب وأستاذ الأدب الفرنسي إيف لو بيستيبون «أسئلة من نوع: أين نحن الآن من الأدب؟ وأين موقعه الحالي لدى الفرنسيين؟ وهل لايزال هناك من يقرأ الأدب؟ أم غدا حقيقة من متاع الماضي؟».
على هذه الأسئلة وما يمكن أن يتفرّع عنها يحاول لو بيستيبون الإجابة في كتاب يحمل عنوانا بصيغة السؤال أيضا هو «هل ننسى الأدب؟». وتتركز إجاباته حول الإقرار أن مكانة الأدب تتقهقر في حياة الفرنسيين وفي اهتماماتهم ويحاول تفسير مثل هذه الظاهرة، في ظل فوضى مشهد ثقافي معاصر مزدحم.إن مؤلف هذا الكتاب «الصغير الحجم بصفحاته الـ140» يقدّم، مستخدما «ضمير المتكلّم»، بناء على تجربته وعلى معرفته للمجال الذي يتطرّق له، سلسلة من الملاحظات والتوصيفات والتحليلات بغية تحديد معالم وضع الأدب الفرنسي الراهن.
واقع الأدب
يطرح المؤلف أفكاره بصيغة السؤال، على غرار الموقف من الأدب في فرنسا اليوم. وانطلاقا من البحث عن إجابة على سؤال مفصلي يتعلّق بمعرفة متى وكيف ولماذا تراجع الأدب في حياتنا ـ يقصد المؤلف الفرنسيين بالطبع ـ كي يصبح مجرّد منتج في «سوق يقوم أوّلا وأساسا على المنافسة»؟.
ويبدأ ايف لو بيستيبون برسم صورة لواقع الأدب اليوم في فرنسا من خلال عدد من المشاهدات العيانية للمحيط الذي يعيش فيه. وبعد الإقرار في مقدّمة الكتاب بتقهقر مكانة الأدب والاهتمام به لدى السواد الأعظم من الفرنسيين يشرح المؤلف واقع «المنافسة الشديدة»، التي يواجهها النتاج الأدبي من قبل السينما والتلفزيون والموسيقى وشبكات الانترنت ومختلف سبل استهلاك الزمن الرقمي بحيث أنه أصبح، أي الأدب، مجرّد منتج ثقافي بين سلسلة طويلة من المنتجات الأخرى. الوجه الآخر للتبدّل الجاري يجده المؤلف في التحوّل الكبير لدى الإنسان بعلاقته مع الكلمات واللغة.
وذلك أنه كان على مدى قرون عديدة في حالة بحث مستمر عن إثراء لغته ووسائل تعبيره. بل كان يسعى لاختراع كلمات جديدة لها إيحاءات مبتكرة وصور وجدت استخدامها في الشعر والرواية وغيرهما من صنوف عالم الأدب. تلك الرغبة في اختراع وتشغيل المخيّلة أفسحت المجال في سياق الثورة الرقمية ومنتجاتها للبحث عن كل ما هو مباشر ولحظي باسم «الفعالية» في أغلب الأحيان.
توجه مستقبلي
وتبدّل آخر يؤكّده الواقع، كما يلاحظ، هو أنه حتى خمسينيات القرن الماضي، العشرين، كانت الدراسات الأدبية هي السبيل الأفضل لتحقيق الطموحات الكبرى في فرنسا والانضمام عبره إلى النخب العليا ثقافياً ومجتمعياً، لكن الأمر تغيّر بشكل جذري حالياً..
حيث غدا التوجّه «الطبيعي والعفوي» لدى الشباب هو الالتحاق بالمشارب والفروع العلمية المكرّسة على مستوى الممارسة والتطبيق لأفضل الطلبة. في مثل هذا السياق يحدد المؤلف القول: إن هناك حالة من «الغموض» في فرنسا حيال الموقف من الأدب والسياسات الرسمية المتعلّقة بهذا المشرب التقليدي من المعرفة.
ذلك أن مسألة «نسيان الأدب» هي مطروحة بقوّة ولكنها ليست محسومة في اتجاه أو في آخر من حيث التوجّه المستقبلي. ويقترح المؤلف بعض الأفكار التي يقدّمها في واقع الأمر كـ«فرضيات» للتأمّل دون اعتبارها بأي شكل إجابات قاطعة. الفكرة الأولى والأساسية يجدها في التأكيد على دور المدرسة ومناهج التدريس في المحافظة على التراث الأدبي جيلا بعد جيل وعدم دفع الأدب إلى «هاوية النسيان».
المؤلف في سطور
إيف لو بيستيبون، كاتب فرنسي وأستاذ للأدب، حاصل على شهادة التأهيل العليا في مجال اختصاصه. نال شهادة الدكتوراه عن أطروحة حول «علاقات السلطة في حكايات لافونتين» التي كتبها مؤلفها ـ لافونتين، على لسان الحيوانات على غرار «كليلة ودمنة» لابن المقفّع. له العديد من المساهمات في الصحف والدوريات.

