إن ناطحات السحاب والأبنية العالية الهائلة التي تزخر بها مشاهد العديد من المدن الحديثة ما كان لنا أن نراها لو لم يكن هناك تلك الآلة التي يستخدمها البشر دون أن يطرحوا في أغلب الأحوال أي تساؤلات حولها. ولكن هذه الآلة التي تحملنا عشرات الطوابق أحياناً في دقائق قليلة تشكل عصب العمران الحديث. وهي موضوع كتاب أستاذ الدراسات الثقافية في جامعة برلين اندرياس برنار، الذي يحمل عنوان «تاريخ ثقافي للمصعد».
في نبذة تاريخية عن صناعة المصاعد الكهربائية يشرح المؤلف أن مدينة نيويورك هي المدينة الأولى في العالم، التي عرفت المصعد في سنوات الخمسينات من القرن التاسع عشر. لكن تعميم استخدام المصعد على ضفتي المحيط الأطلسي، أي في الولايات المتحدة وأوروبا جرى في بدايات القرن العشرين. لقد غدا المصعد عندها «واقعاً كامل الحضور في القارتين الأميركية والأوروبية».
لقد بدا المصعد بالنسبة إلى الكثير من البشر «اختراعاً متواضعاً»، كما يشرح المؤلّف. ويضيف أن ذلك كان يعني «تقليلاً مفرطاً» بالدور الذي لعبه، ليس على الصعيد العمراني واستثمار الفضاء في إشادة المباني العالية فحسب، ولكن أيضاً وخاصّة على الصعيد الاجتماعي والثقافي.
ويؤكّد المؤلف بهذا الصدد أنه كان للمصعد تأثيرات في غاية الأهمية والعمق. ذلك أنه «أعاد بشكل جذري مفاهيم البناء».
إن لقاءات المصعد هي «وليدة المصادفة»، وتفرض نوعاً من التقارب المكاني القسري. ذلك خاصّة بعد أن أضحى وسيلة استخدام عام. هذا ما يعبّر عنه المؤلف بالقول: «إن هدفي هو الذهاب مباشرة إلى الفترة المفصلية التي لم يعد فيها المصعد ذلك الشيء الغريب ليصبح استخدامه شائعاً للعموم».
لكن المؤلف يعود بقارئه إلى معرض نيويورك للصناعة عام 1854، حيث قدّم المهندس اليشا غرافس اوتيس عرضاً مدهشاً عن إجراءات السلامة الجديدة التي اكتشفها عبر استخدام ما يشبه الصناديق المغلقة المزوّدة بثقل مقابل والمزوّدة بنوابض للحماية في حال السقوط. كانت تلك هي النسخة الأولى مما سيصبح فيما بعد «مصاعد اوتيس»، التي لا تزال تحظى بشهرة عالمية في هذا الميدان.
لكن اندرياس برنار يشير إلى مبادئ علمية أكثر قدماً بكثير من عام 1854 ويعتبر أنها لم تكن بعيدة عن مفهوم المصعد. هكذا يرى أن نظريات ارخميدس جرى تطبيقها في اختراع وسائل لنقل السلع والأشياء.
وينقل المؤلف في هذا السياق ما قاله الدبلوماسي شارل غروفيل عن إعجابه الكبير بمصعد رآه في قصر أسرة سارد الملكية في مدينة جنوه بإيطاليا عام 1830 وجاء فيه ما مفاده: «من أجل راحتهم البدنية لديهم آلة مصنوعة على شاكلة عربة ومربوطة بسلسلة لرفعها وهبوطها تتسع لستة أشخاص بحيث يمكن استخدامها بكل طوابق القصر، وبحيث يمكن التحكّم بمدّة بقائها في كل منها».
كما كتبت مجلة «هاربر» عام 1853 أنه سيتم قريباً إدخال مصاعد تعمل على البخار في الأبنية الخاصّة بمدينة نيويورك بحيث يستطيع «الأشخاص المعاقون أو المتعبون أو الأرستقراطيون» بلوغ الطوابق العليا بسهولة. أمّا الشهرة الكبيرة التي التصقت بما فعله «أوتيس» فتعود إلى «البعد المسرحي»، الذي تمّ فيه تقديم ما فعله ذلك المهندس، كما يشرح المؤلف.
ويركّز الكتاب بشكل خاص على الدور الذي لعبته كل من الولايات المتحدة وألمانيا في تطوير المصاعد حيث إنه اعتباراً من عام 1870 غدت جميع الأبنية الجديدة ذات الطوابق المتعددة في الولايات المتحدة خاصّة تبنى حول «قفص مصعد»، كما أحدثت تغييراً جوهرياً في الحياة العمرانية الحديثة بصورة عامّة.
المؤلف في سطور
اندرياس برنار كاتب ألماني يسهم بالكتابة في العديد من الصحف والدوريات الألمانية حول المسائل المتعلّقة بالتاريخ الثقافي بصورة عامّة، وهو أستاذ للدراسات الثقافية بحامعة برلين، وسبق له وقدّم العديد من الكتب، من ضمنها عمل روائي واحد.
