تصدّرت غزة على مدار الخمسين يوماً المضاية نشرات الأخبار في مختلف وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة. ذلك إثر العدوان الإسرائيلي عليها وما خلّفه من قتل ودمار.

وغزة لها تاريخ عريق ولكنه مجهول إلى حد كبير. ذلك ما يؤكّده جان بيير فيليو، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في باريس والأستاذ السابق في جامعتي كولومبيا وجورج تاون الأميركيتين في كتابه الذي يحمل عنوان «تاريخ غزّة». ويحدد المؤلف أنها تحمل ذاكرة الاعتداءات المتكررة القاتلة عليها من قبل آلة الحرب الإسرائيلية.

تاريخ الصراع

ما يؤكّده المؤلف منذ البداية هو أن لغزّة تاريخا طويلا ومغرقا في القدم. ولكن المفارقة الكبيرة هو أنه لا يزال مع ذلك تاريخاً مجهولاً إلى حد كبير وأن غزّة كانت باستمرار موضع نزاعات عليها. ويحدد جان بيير فوليو موضوع كتابه بدقّة؛ «أنه تاريخ الصراع من أجل السيطرة على غزّة منذ أواسط القرن التاسع عشر حتى الوقت الراهن».

ويشير المؤلف أن تسمية غزّة قد ظهرت منذ الحقب المصرية القديمة، وبحكم موقعها الجغرافي ذي الأهمية الإستراتيجية الكبرى من حيث وقوعها بين صحراء النقب وسيناء والبحر الأبيض المتوسّط وما جعل منها بمثابة «نقطة مفصلية مزدوجة بين الإمبراطوريات الكبرى»، التي تنازعت تاريخيا على منطقة الشرق العربي ومصر من «فرس ويونانيين وبيزنطيين ورومان ومماليك وفرنجة وصليبيين وعثمانيين وغيرهم».

ولا يتردد في التأكيد أنه ينبغي إعادة وضع هذا القطاع في صميم التاريخ الفلسطيني، وإن كانت لا تبلغ مساحته سوى 360 كيلو متراً مربعاً، ولكن يسكنه 1.8 مليون نسمة من الفلسطينيين، اعتباراً من عامي 1948 و 1949، حيث كان موطن لجوئهم، ومما يجعله أحد أكثر مناطق العالم من حيث الكثافة السكانية.

هذا مع إشارة المؤلف أن غزّة تميّزت بكثافة سكانية كبيرة منذ عصور قديمة تمتد من الحقب التاريخية المصرية القديمة حتى اليوم ومروراً بالحقبة العثمانية، والإشارة أيضا أن غزّة عرفت الكثير من الآلام خلال تاريخها الطويل، لكنها ظلت الموطن الأكبر للنزعة الوطنية الفلسطينية، وفي جميع الحالات يعتبرها في قلب الصراع الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي.

منعطفات تاريخية

إن جان بيير فيليو يتوقف طويلا في تأريخه لقطاع غزة لفترة ما بعد عام 1948 في عدة منعطفات، محطات زمنية كان أوّلها إقامة إسرائيل عام من 1948 من قبل القوى الغربية الكبرى بشكل أساسي ثم حرب يونيو عام 1967 حرب 1973 فالانتفاضة الكبرى الأولى عام 1987 ووصولاً إلى الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة خلال العقدين الأخيرين.

هذه المنعطفات تتناظر مع الأقسام الأربعة التي يصنفها المؤلف على أساس الأجيال. هكذا يكرّس المحور الأول لـ«جيل الحداد بالنسبة للفترة الواقعة بين عام 1947 وعام 1967»، ثمّ «جيل المسحوقين خلال سنوات 1967 ـ 1987»، و«جيل الانتفاضة 1987 ـ 2007»، وأخيراً يطرح المؤلف في المحور الرابع السؤال التالي: «جيل الطريق المسدود؟». تجدر الإشارة أن هذه المحاور الأربعة مسبوقة بمقدّمة تحمل عنوان:«غزّة قبل أن تصبح قطاعاً».

وتتكرر في هذا الكتاب فكرة أن تاريخ 29 نوفمبر من عام 1947 كان «نقطة مفصلية» في التاريخ الفلسطيني الحديث كلّه، ففي ذلك اليوم تبنّت الجمعية العامّة للأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين.

ويصف المؤلف ذلك أنه كان بمثابة «انتصار دبلوماسي للقيادة الصهيونية» وتكريساً لقيام إسرائيل رسمياً بتاريخ 14 مايو من عام 1948، وكانت «خسارة هائلة للفلسطينيين»، الذين لا يزالون يعودون إلى تلك الذكرى الأليمة تحت عنوان «النكبة».

إن المؤلف يقوم بتوصيف غزّة على أنها تلك «الواحة الشاطئية التي تجذب من بعيد أنظار البحّارة»، ونقرأ في نفس السياق أن غزّة كانت «موطناً تؤمّه الطيور البريّة المهاجرة وللحيوانات المفترسة»، وأنها «آخر آخر ملاذ قبل الصحراء القاحلة صعبة المسالك».

وفيما أبعد من هذا التوصيف المشرّب بنفحة من الشعر يؤكّد جان بيير فيليو أن غزّة «أصبحت رهاناً حاسماً وموضع منافسة في المنطقة».

ويركز المؤلف على القول كتابة تاريخ فلسطين في التاريخ الحديث وبعد قيام إسرائيل تمحورت حول القدس وعلى «ذاكرة المنفى»، الذي وجد الفلسطينيون أنفسهم مرغمين عليه بعد قيام الكيان الصهيوني عام 1948. بالمقابل لم تمثّل غزّة في كتابات المؤرّخين سوى «مسرح هامشي» في التاريخ الفلسطيني عامّة مع أنها ذات أهمية مركزية في هذا التاريخ.

المؤلف في سطور

 

جان بيير فيليو هو أستاذ دراسات الشرق الأوسط في كلية العلوم السياسية بباريس، وكان قد عمل أستاذاً في جامعة كولومبيا الأميركية. وفي جامعة جورج تاون. قدّم العديد من الدراسات عن حول العالم العربي وجرت ترجمة العديد من أعماله إلى عدّة لغات أجنبية.