شكّلت الانفعالات التي تعتمل في أعماق البشر موضوع الكثير من الكتب والدراسات، وخاصّة تلك الانفعالات والمشاعر الجميلة مثل الحب والفرح والسعادة والحزن. لكن هناك مشاعر أخرى «غير محببة»، وبالتالي بقيت خارج الاهتمام العام رغم أنها موجودة وحاضرة في حياة البشر.
هذه المشاعر «غير المحببة»، ولكن ذات الحضور الكبير في حياتنا هي موضوع كتاب الطبيبة فاليري كورتيس، رئيسة مركز الرعاية الصحية في مدرسة لندن للوقاية وللأمراض الاستوائية، الذي يحمل عنوان «لا تنظر، لا تلمس، لا تأكل».
وتطلق المؤلفة على مشاعر النفور لدى البشر توصيف «انفعالات الظل»، وتعتبرها بمثابة المرض الذي نسيه علم النفس، ذلك على أساس أنها معروفة بدرجة أقل بكثير من المشاعر التي يتغنّى بها البشر مثل الحب أو الحزن أو الغضب وغيرها من المشاعر والانفعالات التي تمّت دراستها بالكثير من التفاصيل.
وتحدد المؤلفة بصورة عامّة سبعة مصادر رئيسة تبعث الشعور بالنفور، ولعلّ أكثرها شيوعاً رؤية بشر غير عاديين من حيث قامتهم طولاً أو قصراً، والأشخاص الذين تبدو عليهم علامات صريحة بالمرض، وغياب الحد الأدنى من آداب السلوك الصحّي، ومنظر الأغذية الفاسدة، ومشهد الحيوانات الناقلة للأمراض كالفئران وغيرها، ومصادر العدوى بالمرض.
وهذا المصدر الأخير هو الأكثر تكراراً على صعيد الحياة اليومية.
وهي تناقش على مدى صفحات الكتاب مشاعر «النفور»، التي تنبعث حيال بعض الظواهر التي يصادفها البشر في حياتهم اليومية. وتبدو في بعض الأحيان بمثابة «رد فعل مصدره اللاوعي» لكنه ذو تأثير كبير في مجمل السلوك اليومي للبشر. هكذا «ينفر البشر» تلقائياً من كل «قذارات الطريق»، كما يعتريهم الخوف «تلقائياً أيضاً» أمام المخاطر.
الأمثلة التي تقدمها المؤلفة على مثل هذه الظواهر كثيرة. وليس أقلّها تردداً تلك التي تشهدها أماكن العمل عند انتشار بعض الأمراض كالإنفلونزا، وردود الأفعال من الزملاء الذين يبتعدون بـأسرع ما يمكن من مصادر «التهديد الصحّي».
وتشرح المؤلفة، كيف أن الناس ينفرون عامّة بطريقة غريزية من الأشياء القذرة، بل ويستمر لديهم الإحساس بالنفور من تلك الأشياء حتى بعد غسلها وتنظيفها، وأن هذا النمط من ردود الأفعال عام وشامل، ولو كانت هناك بعض التمايزات، وربما الاختلافات، تبعاً للأفراد والثقافات «لكننا ننفر جميعاً من الأشياء نفسها».
هكذا تشير إلى أن سلسلة من الدراسات أظهرت أن مثل هذه المشاعر لها تأثيرها في «اختيار المنتجات التي نشتريها» وفي رغباتنا عامّة، وفي أحيان كثيرة في من سنعطيه ثقتنا في العمليات الانتخابية. بالإجمال تسهم في تكوين الأحكام الأخلاقية كما تسهم في توجيهها.
وإذ تؤكّد على البعد البيولوجي في ردود ألأفعال حيال الأشياء، فإنها تركز على القول إن ردود الأفعال تلك تتجاوز كثيراً الآليات الميكانيكية البيولوجية. ذلك أن «المعايير الاجتماعية التي توجّه سلوك البشر وآداب السلوك الأخلاقية متجذّرة بعمق في بعث مشاعر النفور». هكذا يكوّن الكثير من البشر آراءهم على خلفية «مشاعر النفور» حيال فئة ما على أساس الصورة التي يرسمها المجتمع لهم.
وتعتمد المؤلفة في تأريخها لتطوّر مفهوم النفور في مختلف الثقافات على أعمال العديد من الأخصائيين بعلوم الحياة وكذلك أخصائيين في دراسة أنماط السلوك. وتحاول عبر ذلك تحليل دور «مشاعر النفور» في المسائل المتعلّقة بالوقاية من الأمراض وبالوقاية الصحيّة بشكل عام وبالحياة الاجتماعية وحتّى في التوجهات السياسية.
المؤلف في سطور
فاليري كورتيس طيبة بريطانية، تعمل مديرة لمركز الرعاية الصحّية التابع لمدرسة لندن لرعاية الصحية وللطب الاستوائي، تشارك مع مجموعة من الباحثين والمتطوعين في العمل من أجل تحسين الوعي الصحي في البلدان الفقيرة خاصّة.
