«اليورو»، العملة الأوروبية الموحّدة، هو موضوع الكثير من النقاشات الدائرة اليوم في فرنسا وفي أوروبا عامّة. البعض يحمّلونه مسؤولية الأزمات التي تمرّ بها عدّة بلدان أوروبية تمثل اليونان أحد أكثرها حدّة وقسوة بينما يعتقد الآخرون أنه يمكن لليورو أن يكون السبيل للخروج من هذه الأزمات.
والصحافي الفرنسي في جريدة «لوموند» الفرنسية ارنو لوبارمونتييه يُكرّس كتاباً لأولئك الفرنسيين الذين يصفهم بـ«حفاري قبر اليورو»، كما يدل عنوانه. ويبدأ تحليلاته بطرح السؤال التالي: لماذا وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه؟.
وما وصلت إليه يحدده أنه بعد عقدين فقط من الزمن من توقيع اتفاقية «مستريشت» الأوروبية، «ترك الأوروبيون اليورو يصارع الأمواج وكأنه على حافة الغرق». ولا يتردد المؤلف في القول إنهم لم يستطيعوا أبداً النظر له بموضوعية تتطلّبها المعطيات الاقتصادية وإنما بنوع من المفهوم «الإيديولوجي» على معيار «العظمة الفرنسية».
إنه يشرح بأشكال مختلفة أن الفرنسيين «ليسوا شركاء أوروبيين جديين». ذلك أنهم لا ينفكّون عن الدعوات للنهوض بأوروبا، «لكنهم لا يقومون بالجهود المالية المطلوبة». كما لا يتردد مؤلف هذا الكتاب في توجيه نوع من الاتهام للقادة الفرنسيين مهما كان المعسكر السياسي الذي ينتمون إليه، يميناً أو يساراً، بأنهم «لم يستطيعوا التفاهم مع الألمان، وبالتالي ساهموا في تخريب البناء الأوروبي المشترك». كما أنهم يكتفون بتكرار قول لا للألمان في كل شيء مما لا يذهب عملياً في اتجاه مشروع البناء الأوروبي.
وتتمثل إحدى النقاط الأساسية التي ينطلق منها المؤلف في تحليلاته بالقول إن الاتفاقية الأوروبية الموقّعة في مستريشت قامت على سوء تفاهم. كان قد تمّ التوقيع عليها في مطلع عام 1992 وجرى الشروع في تنفيذها في مطلع شهر نوفمبر من عام 1993 ليقوم يومها الاتحاد الأوروبي الذي ضمّ آنذاك 12 دولة أوروبية وأصبح عددها 15 دولة عام 1995 وليصل العدد اليوم إلى 27 دولة.
«سوء التفاهم» الذي يقصده المؤلف هو أن الرئيس الفرنسي الاشتراكي فرانسوا ميتران اعتقد أن اتفاقية مستريشت ستؤدّي إلى إضعاف موقع ألمانيا أوروبياً وعلى الصعيد الاقتصادي العالمي. بالمقابل كان المستشار الألماني الأسبق هلموت كول يأمل التقدّم نحو تحقيق التوحيد الأوروبي سياسياً، لكن العكس هو الذي حصل في الحالتين، كما يكتب المؤلف.
كما أن جاك شيراك أخفق ثلاث مرّات في توقيع ما عُرف باتفاقية نيس لإصلاح المؤسسات الأوروبية وعرفت فترة حكمه استفتاء أغلبية الفرنسيين بـ«لا» على الدستور الأوروبي الموحّد. وكانت سياسات نيكولا ساركوزي، كما يرى المؤلف، قد «أدّت إلى تسارع الكارثة» بخضوعه لمطالب المستشارة الألمانية انجيلا ميركل، وهذا ما يشرحه المؤلف في الصفحات التي تحمل عنوان «ساركوزي وميركل: التوحيد من أجل الأسوأ».
المؤلف في سطور
أرنو لوبارمونتييه هو أحد الصحافيين العاملين في جريدة لوفيغارو الفرنسية، حيث يساهم في كتابة افتتاحياتها، عمل مراسلاً للصحيفة في ألمانيا ورئيساً لمكتبها في بروكسل ببلجيكا، وكان رئيس القسم السياسي فيها خلال سنوات 2005 ـ 2008، موضوع اهتمامه الأوّل هو مكانة فرنسا في أوروبا وفي إطار العولمة.
