الدبلوماسي السويدي الشهير داغ همرشولد هو ثاني أمين عام لمنظمّة الأمم المتحدة، حيث شغل ذلك المنصب خلال سنوات 1953 ــ 1961. وهو الشخصية التاريخية الوحيدة التي نالت جائزة نوبل للسلام بعد وفاته. وسيرة حياته هي موضوع كتاب مؤرّخ الفن والناشر والمترجم الأميركي روجيه ليبسي، الذي يحمل عنوان «داغ همرشولد: سيرة حياة». لقد واجه مشاكل العالم وأزماته، تطبيقاً للمبدأ الذي كان يردده باستمرار عن «بناء عالم بلا خوف»، وتأكيده على ضرورة أن يكون الإنسان عادلاً وحراً، إذ كيف يمكننا أن نناضل من أجل الحريّة إذا لم نكن أحراراً في عقولنا، كما ينقل عنه المؤلف.

بعد وفاة داغ همرشولد، الأمين العام الأسبق لمنظمة الأمم المتحدة، في ظروف غامضة بحادث طائرة في منطقة ندولا بزامبيا في القارّة الإفريقية بتاريخ 18 سبتمبر من عام 1961، وصفه الرئيس الأميركي الأسبق الراحل جون كينيدي بالقول إن الإنسانية خسرت برحيله أكبر رجل دولة في عصرنا، كما ينقل مؤلف هذا الكتاب.

وفي عودة للمؤلف إلى حادث الطائرة القاتل يصف مشهد جسد همرشولد مسجىّ على الأرض وهو يمسك بيده اليسرى «مجموعة من الأوراق»، الأمر الذي دفع فريق الإنقاذ إلى الاعتقاد أنه عاش قليلا بعد سقوطه على الأرض. ويشير أنهم وجدوا في محفظته نسخة من الإنجيل ونسخة من أشعار رينر ماريا ريلكه باللغة الألمانية وأحد أعمال الروائي الفرنسي جان جيونو وبعض دراسات الفيلسوف مارتن بوبير، وكذلك احتوت محفظته على قصاصات من الصحافة الأميركية فيها بعض الرسوم الكاريكاتورية التي تسخر منه.

يشرح المؤلف أن كل ما كان يحمله همرشولد معه وما وجدوه في حطام الطائرة المبعثر له دلالة واضحة وبالغة على شخصيته وعلى أفكاره، لكن حادث الطائرة نفسه لم يجد أبداً تفسيراً كاملاً ومتكاملاً ومقنعاً حتى اليوم.

ويشير المؤلف أن همرشولد ترك وراءه أسلوباً تميّز فيه في ممارسة الدبلوماسية وفي معالجة العديد من الملفات الشائكة التي كان على رأسها ملف الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. ويرى المؤلف أن ذلك الدبلوماسي البارع ملك حضوراً استثنائياً، على الساحة الدولية من خلال ممارسته السياسة بقدر كبير من الواقعية دون التخلّي عن قناعاته المبدئية.

البعد الواقعي في شخصية همرشولد يعيده المؤلف إلى المسار المهني الحافل، حيث عمل في وزارة الخارجية السويدية، وتلك الخبرة الطويلة وظّفها فيما عُرف بـ«فن الدبلوماسية المكوكية» من أجل وقف النزاعات والحروب.

لقد أظهر داغ همرشولد قدراً كبيراً من الفاعلية ومن الاستقامة الأخلاقية في معالجة العديد من الأزمات الكبرى، لكن تلك الفاعلية كانت قد فاجأت قادة الدول الكبرى الذين وجدوا في همرشولد «مرشح تسوية»، أي «توافقي»، حسب القاموس المستخدم اليوم، لكن سرعان ما ثبت خطأهم وبدا أنه لن يكون مجرّد صورة دبلوماسية يوجهونها، إذ ساهم في العمل على الحدّ من العنف في العالم عبر محاولة منع نشوب الحروب الأهلية، خاصة في إفريقيا.

المؤلف في سطور

 

روجيه ليبسي هو مؤرّخ فن وناشر ومترجم أميركي، كتب في العديد من الميادين والمشارب الثقافية والفنيّة في الصحف والمجلاّت المتخصصة في الولايات المتحدة والعالم. من مؤلفاته: «الفن الذي هو فننا: البعد الروحاني في فن القرن العشرين»، و«أخطاء بريئة: فن توماس ميرتون».