ما بين وصول أدولف هتلر للسلطة في ألمانيا عام 1933 وانتحاره بعد دخول قوات الحلفاء إلى برلين في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، لم يتوقف الألمان عن القراءة على عكس الاعتقاد السائد، بل أولوا اهتماماً كبيراً للقراءة وفي مقدمّة ما راج في ألمانيا آنذاك هي الكتب البوليسية.
هذا ما يكشف عنه الكاتب والأستاذ الجامعي الفرنسي فانسان بلاتيني في جامعات برلين والمقيم في تلك المدينة بكتابه الذي يحمل عنوان: «القراءة والنجاة بالنفس والمقاومة«القراءة والنجاة بالنفس والمقاومة»، الذي يكرّسه لـدراسة الثقافة الجماهيرية في ظل الرايخ الثالث ـ النازية.
ويشرح المؤلف أنه بينما كانت ألمانيا تذهب بعيدا في الجنون التوسعي، الذي أراده ادولف هتلر وزجّ البلاد بسببه في حرب غدت عالمية واستمرّت منذ عام 1939 وعام 1945 توجّه الألمان عموما نحو ولوج عالم القراءة، خاصّة ببعدها الأقرب للتسلية. من هنا كانت الروايات البوليسية في مقدمة الصنوف الأدبية التي لاقت ازدهاراً كبيراً.
ويشرح المؤلف أنه من العبث والخطأ الكبير الاعتقاد أن «الرايخ الثالث» كان ذا وجه وتوجّه واحد، وأن الألمان كانوا «شعباً يمشي قسراً عنه وراء رجل واحد ـ هو أدولف هتلر ـ بقصد القيام بمذابح مبرمجة». بالطبع لا يقصد المؤلف من وراء مثل هذا القول التقليل من الفظاعات التي ارتكبها النظام النازي، ولكنه يريد توضيح جانب جرى إهماله في الثقافة الجماهيرية الألمانية في ظل ذلك النظام.
ويعيد فانسان بلاتيني ذلك الازدهار للأعمال البوليسية إلى واقع نجاتها إلى حد كبير من «الرقابة النازية المشددة».
ذلك أن الصورة السائدة كانت هي الاعتقاد أن تلك الأعمال تقدّم بالأحرى صورة فيها الكثير من الدعاية للنظام النازي، تبعاً لما كانت تريده الإيديولوجيا السائدة، والإشارة أن بعض الروايات قدّمت بالفعل صورة لأجهزة الشرطة بأنها قوية لا تُقهر، وأنها تحكم الرقابة على الجميع.
كما أن «التسلية» كانت أحد المشارب التي تسهّل تحمّل القمع الذي كان يفرضه النظام.
الوجه الآخر لشيوع الثقافة الجماهيرية المكرّسة لـ«التسلية» كان طمس «الثقافة الرفيعة»، التي رأى بها النظام مصدر خطر ممكن بالنسبة له. لذلك على عكس الروايات البوليسية وغيرها من الكتابات التي اعتبرها ذلك النظام «غير جديرة بالاهتمام». من هنا بالتحديد تمتعت بهامش كبير من الحرية ومن ضغط وملاحقة أجهزة الرقابة.
إن الميزة الكبرى لهذا الكتاب تكمن في كون المؤلف يقدّم قراءة «غير مسبوقة» للنظام النازي، حيث يتم رسم صورة له في أبعاده «ما دون السياسية»، حسب تعبيره، ويبيّن كيف أن الروايات البوليسية والأعمال الروائية بصورة عامّة والصحافة الرياضية والأفلام السينمائية وغير ذلك من أنواع الثقافة التي يمكن تصنيفها تحت باب «ثقافة التسلية»، إنّما كانت بوتقة لنوع من المعارضة المقنّعة، وبالتالي نوعاً من المقاومة، كما يدل العنوان الفرعي للكتاب.
ويشير المؤلف أن عدد الروايات البوليسية التي تمّ نشرها في ظل النظام النازي بلغ حوالي 3000 عمل، وإضافة أن ذلك كان يمثل استمراراً لصدور ذلك النوع من الأدب في ظل «جمهورية فايمار»، التي سبقت النازية في ألمانيا، وبالتالي تمّت متابعته بعد عام 1933، أي بعد وصول أدولف هتلر للسلطة، ذلك مع تطعيمه بمسحة إيديولوجية نازية مقنّعة في بعض الأحيان..
ويضاف إلى ذلك أن بعض الكتّاب لعبوا ورقة الظهور بتأييدهم للنظام بينما تضمّنت أعمالهم الكثير من النقد له بين السطور.
المؤلف في سطور
درس فانسان بلاتيني، مؤلف هذا الكتاب، الأدب والسينما في كل من فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الأميركية، بعد أن ناقش أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في جامعة السوربون، انتقل للعمل والإقامة في برلين كأستاذ في جامعة أكسبورغ وجامعة برلين.
الكتاب:
القراءة والنجاة بالنفس والمقاومة
تأليف:
فانسان بلاتيني
الناشر:
لا ديكوفيرت- باريس- 2014
الصفحات:
277 صفحة
القطع:
المتوسط
Lire, s’evader, resister
Vincent Platini
La Decouverte - Paris- 2014
277 pp
