عرفت جنوب إفريقيا تحوّلاً جذرياً في نظامها السياسي وفي صفتها القانونية مع انتخاب نلسون مانديلا أوّل رئيس إفريقي من أبناء البلاد، بعد أن أمضى في سجون النظام العنصري 27 سنة. ورافق ذلك التحوّل تغيير الكثير من البيض الذي كانوا أسياد البلاد على مدى عقود طويلة مواقفهم من دعم النظام العنصري الأبيض إلى تأييد نلسون مانديلا.

ومن بين هؤلاء زيلندة لا غرانج التي دعمت لسنوات النظام العنصري الأبيض من موقعها كفتاة بيضاء من مواليد جنوب إفريقيا، ثمّ غدت بعد عدّة سنوات من نهاية ذلك النظام إحدى المساعدات الشخصيات للرئيس نلسون مانديلا. تجربة الفترة التي أمضتها بالقرب من أحد أكبر رموز النضال، ليس في جنوب إفريقيا وحدها ولكن على صعيد القارّة كلّها بل وعلى صعيد العالم، هي التي ترويها في كتابها الصادر قبل فترة وجيزة تحت عنوان «صباح الخير، سيّد مانديلا».

تجربة الواقع

تحدد زيلدة لا غرانج القول إنها «تنتمي إلى الطبقة الوسطى في جنوب إفريقيا»، وتروي في الصفحات الأولى من الكتاب كيف أن أجواء أسرتها والمجتمع الأبيض عامّة قد علّموها في سنوات شبابها الأولى أنه ينبغي «احترام نظام التمييز العنصري ـ الأبارتايد ـ وأن الأفارقة السود هم أعداؤها ومصدر الخطر الأكبر بالنسبة لمستقبل البيض في بلادهم ـ جنوب إفريقيا».

لكنها تعلّمت من تجربة الواقع كيف تحترم وتحمل الكثير من الإعجاب، حيال ذلك الرجل، نلسون مانديلا الذي أطلقت عليه فيما بعد لقب «خولو»، وما يعني «الجدّ» باللغة المحلية. وتؤكّد أنها غدت من بين الأكثر قرباً منه حيث كانت سكرتيرته والناطقة باسمه ورفيقة أسفاره وحافظة أسراره، وكل شيء «باستثناء عشيقته»، كما تقول. لقد كانت في خدمته «24 ساعة» في اليوم و«7 أيام» كل أسبوع، كما تشير وتضيف كنت حبيسة في واقع الأمر. هكذا لم تتزوّج ولم تنجب طفلاً من أجل أن تتفرّغ لخدمته بشكل أفضل.

أحكام مسبقة

تشير المؤلفة أنهم اختاروها للخدمة مع مانديلا بسبب حاجته الماسّة لمن يتقن الكتابة على الآلة الكاتبة آنذاك. لكنها تؤكّد أنه كان «في غاية التهذيب منذ البداية وبالتالي لم تجد حجّة تبرر التخلّي عن عملها معه كون أنه أسود البشرة. لكنها تؤكّد في الوقت نفسه أنها لم تغيّر فكرتها حيال السود خلال عدّة دقائق، لكن يوماً بعد يوم كان يهدم خطوط دفاعي، ويزيل طبقة إثر طبقة كلّ أحكامي المسبقة»، كما نقرأ.

وتروي زيلدة لا غرانج أنها أُصيبت بدهشة كبيرة عندما قرر نلسون مانديلا أن تكون في عداد أعضاء الفريق الذي سيرافقه في زيارته الأولى لليابان، وكان سفرها الأول إلى خارج جنوب إفريقيا، كما تقول، وكان مصدر استغرابها ودهشتها أنه لم يكن هناك أي عمل ستقوم فيه على الآلة الكاتبة. وتشير أنها لم تفعل في الواقع أي شيء أثناء تلك الزيارة سوى أنها ظهرت إلى جانب الزعيم الجنوب إفريقي الكبير. لكنها تشرح مع ذلك: «عندما نظرت إلى زملائي في الفريق أدركت أن وفدنا كان يتمتع بتمثيل كامل. فالرئيس أراد أن تكون جميع الأعراق ممثلة في ذلك الفريق».

وتشرح ذلك بأن مانديلا كان يعرف ما يمكن أن يجنيه من وجودها إلى جانبه وهي التي رأى فيها النموذج المثالي لـ«للمزارعة البيضاء ـ الأفريكانية». تكتب أن «ماديبا لم يكن يفعل أي شيء بمحض المصادفة».

إن المؤلفة التي رافقت نلسون مانديلا في أسفاره إلى الخارج تنقل إلى القارئ أجواء تلك اللقاءات التي جمعت بين الزعيم الإفريقي والعديد من كبار شخصيات العالم الذين ليس أقلّهم شأناً المكلة البريطانية اليزابيث وبابا الفاتيكان الأسبق يوحنا بولس الثاني والرئيسين الأميركيين باراك أوباما وبيل كلنتون والرئيسين الفرنسيين السابقين نيكولا ساركوزي .

وجاك شيراك وغيرهم. وتشرح المؤلفة بأشكال مختلفة كيف كان اختيار مانديلا لها، وهي البيضاء «الأفريكانية»، للعمل إلى جانبه ذا دلالة سياسية كبيرة في بلاد كانت لاتزال لم تكوّن فكرة ثابتة ونهائية حيال التمييز العنصري.

المؤلفة في سطور

زيلدة لا غرانج من مواليد جنوب إفريقيا عام 1970، بدأت حياتها المهنية كسكرتيرة في عدد من المكاتب التابعة للحكومة اعتباراً من عام 1992، ثمّ التحقت عام 1994 بمكتب أوّل رئيس منتخب ديمقراطياً بعد نهاية حقبة التمييز العنصري نلسون مانديلا، وغدت في عام 1997 إحدى السكرتيرات الخاصّات للرئيس مانديلا، قبل أن تترك العمل الحكومي عام 2002 للتفرّغ للعمل مؤسسة نلسون مانديلا.

 

الكتاب:

صباح الخير سيّد مانديلا

تأليف:

زيلدة لا غرانج

الناشر:

فيكينغ - لندن - 2014

الصفحات:

384 صفحة

القطع:

المتوسط

Good Morning :r Mandela

Zelda La Grange

Viking – London – 2014

384 pp.