الطلاق أو الانفصال بين شركاء الحياة من الظواهر المنتشرة جداً في المجتمعات الغربية الحديثة، وفرنسا لا تشذّ عن هذه القاعدة، ذلك أن نسبة الطلاق تبلغ ثلث حالات الزواج كمعدّل عام وتصل إلى نصفها بالنسبة للعاصمة الفرنسية باريس.

في مثل هذا السياق تكرّس أستاذة الأدب الفرنسي في جامعة السوربون الجديدة، الثالثة، كتاباً يذهب في عكس التيار السائد منذ عقود طويلة بالنسبة للحياة الأسرية، ذلك أنها تدافع بحماس عن الحياة المشتركة، المستمرّة، وتعتبر أنها السبيل الأكيد لتحقيق قدر كبير من الانسجام والألفة والتوافق بين الزوجين، ويحمل الكتاب عنوان «طعم الحياة المشتركة».

مملكة العواطف

من الأفكار الرئيسية التي تؤكّد عليها مؤلفة هذا الكتاب قولها إن تعامل المرأة بلطف مع شريك حياتها هو إحدى نقاط قوتها، ذلك على عكس ما يتردد باستمرار في قاموس «الحركات النسائية» النضالية. وتشير المؤلفة أنها ناضلت لفترة قصيرة في إطار تلك الحركات بنهاية عقد السبعينات الماضي، لكنها سرعان ما تخلّت عن ذلك لتقوم بتدريس جان جاك روسو في الجامعة.

وهي تستلهم من تعاليم روسو وخاصة فيما يتعلّق بانتقاده للحضارة الحديثة بسبب ابتعادها عن الطبيعة ما يدعم فكرتها عن الحياة المشتركة. وترى أن ذلك الدفاع المبكّر جدا عن الطبيعة يتضمّن في عمقه الحث على احترام الاختلاف بين الجنسين. الأمر الذي تتم ترجمته في الواقع المعاش بنوع من التفريق بين مملكة العواطف التي يبرز فيها دور المرأة والسياسة التي تشكل عالم الرجل بامتياز.

مبدأ المساواة

لكن لا تتردد كلود حبيب بالمقابل في تأكيدها على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات، الأمر الذي تعبر عنه بوضوح عندما تكتب «أنا مع المساواة، هذا أمر واضح، لكن الحياة الخاصّة شيء آخر». وتشرح أن الحياة المشتركة بين الرجل وامرأة في إطار أسرة هي بنظرها «واقع طبيعي»، وهذا الواقع يستحق المديح، كما تفعل في كتابها.

وتتم الإشارة في هذا الإطار إلى أن زيادة متوسط عمر الإنسان تتوازى مع صعوبات الاستمرار في الحياة المشتركة، ونفس الصعوبات المتزايدة مع تركيز المرأة في المجتمعات المعنية على مسارها المهني، أكثر من حياتها الأسرية. هذا مع تركيز كلود حبيب أن موضوع كتابها ليس الأسرة بالتحديد، ولكن بالأحرى آليات استمرار الحياة المشتركة بين شخصين قررا ذلك بمحض إرادتهما ورغبتهما.

ومن الواضح أن المؤلفة ترى في المرأة العنصر الفاعل في استمرار الحياة المشتركة، ولا تتردد في كتابة أنها، أي المرأة، تمتلك، أكثر من الرجل، قدرة في نسج أجواء تساعد على الاستمرار في العلاقات الإنسانية وبالتالي تتحمّل مسؤولية كبيرة في «المحافظة على تلك العلاقات».

السحر الجميل

وعلى عكس الفكرة التي تتكرر كثيرا ومفادها أن الحياة المشتركة لفترة طويلة تخلق «نوعا من العادة»، وبالتالي من الملل والرتابة، تدافع كلود حبيب عن «السحر الجميل» الذي تولّده الحياة المشتركة.

هكذا ترفض المؤلفة المقولة التي تتكرر كثيرا على لسان الرجل الحديث، ومفادها «سوف أمضي حياتي كلّها وأنا أتسلّى، وسوف أكون خارج المنزل باستمرار». وهذا ما ترد عليه بتأكيد أن ما يدعو لـ«الهرب» إلى الخارج ليس الحياة بين إثنين، وتضيف «لا يمكن لإنسان أن يثابر طويلا على حياة ما كان يسمّى قديما حياة حمّالي الكراسي الذين كانوا يمضون حياتهم دائما في الخارج».

الإحساس بالأمان

الخلفية التي تؤكّد عليها المؤلفة كأساس للسعادة والتفتح كثمرة الحياة المشتركة المديدة تتمثّل في الإحساس بالأمان، هذا الإحساس شكّل برأيها أحد أسس التقدّم الإنساني وتجد مرجعياتها في دعم هذا الرأي بما قاله العديد من الفلاسفة والمفكرين مثل مونتين وروسو وابولينير وفلوبير وفولتير وغيرهم.

هكذا تكتب مثلا أن الفيلسوف هيوم عندما تحدّث عن العلوم أشار أن «وجود علماء في المجتمع يتطلّب بالضرورة توفير الأمن، ذلك أن الأمن يسمح بتحرير قدر أكبر من الانتباه».

تؤكّد المؤلفة بأشكال عديدة في تحليلاتها على واقع الهشاشة، التي تعاني منها بنية الأسرة في المجتمعات الغربية الحديثة، والمؤشر الأكثر بلاغة تجده في التزايد الكبير في حالات الطلاق والانفصال في مجتمع مثل المجتمع الفرنسي، كما تدل الإحصائيات المأخوذة من سجلات الحالة المدنية.

ولا تتردد مؤلفة هذا الكتاب في توجيه النقد الشديد لنمط الحياة الذي أنتجه مجتمع الاستهلاك، خاصّة من زاوية الدور الذي تلعبه الدعاية بحيث هناك دعوة مستمرّة وكاملة الحضور لرغبة «أكبر فأكبر».

هذه الرغبة المتعاظمة تجعل الاكتفاء والقناعة بالعيش ضمن الحدود المتوفرة، بما في ذلك على صعيد احترام وصيانة العلاقات في إطار «الحياة المشتركة»، أمراً في غاية الصعوبة. هنا أيضا تجد المؤلفة ما يدعم التأكيد على أهمية وأولوية الحياة المشتركة المديدة لدى الفيلسوف هيغل عندما كتب: «الزواج السيئ أفضل من متعة عابرة».

المؤلفة في سطور

 

كلود حبيب، مؤلفة هذا الكتاب، أستاذة للأدب الفرنسي في جامعة «السوربون» بباريس، من مؤلفاتها «العواطف المتبادلة: جان جاك روسو والنساء والمدينة» و«اللطف الفرنسي».