اشتهرت إيطاليا أنها أرض الحمضيات في القارّة الأوروبية، بل وأطلق عليها البعض توصيف «فردوس الحمضيات»، وخاصّة الليمون الذي تنتج منه أرض البلاد ستة أصناف. والمسافرون إلى إيطاليا تبهرهم مناظر بساتين الحمضيات الممتدة أحيانا على مدى النظر.

الكاتبة البريطانية هيلينا اتلي، التي جعلت من الحدائق موضوع اهتمامها الرئيسي، وبعد أن قدّمت عملاً أخيراً «عام 2010» عن «الحدائق الخاصّة في إيطاليا» تكرّس كتابها الأخير لإيطاليا أيضا باعتبارها البلاد التي يزهر فيها الليمون، كما يقول عنوانه الرئيسي.

أمّا موضوعه فهو تاريخ إيطاليا وحمضياتها، كما جاء في العنوان الفرعي. تجدر الإشارة أن صورة الغلاف هي لوحة إيطالية شهيرة محفوظة في أحد متاحف فلورنسة.

أمّا الحضور الكبير للحمضيات في إيطاليا فيعود إلى العرب الذين كانوا قد أدخلوها إلى جزيرة صقلية في القرن التاسع الميلادي، كما تشرح، وكان من آخر أنواع الحمضيات التي وصلت إلى إيطاليا ذلك المعروف باسم «المندرين»، الذي قدم من الصين في القرن التاسع عشر، وتصل المؤلفة إلى القول إن تاريخ الحمضيات يعبر تاريخ إيطاليا مثل خيط من ذهب.

الكتاب يؤرخ لثمار «الحمضيات» ويقول إنه رغم ازدهارها في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسّط وبالتالي في جنوب القارّة الأوروبية وخاصّة في إيطاليا فإن الأشجار الأولى لا تعود لهذه المنطقة من العالم.

أشجار الليمون وجدت مهدها الأول، كما تشير هيلينا اتلي، في غابات «الهملايا» والبرتقال في غابات «برمانيا وأسّام»، و«المندرين» في الصين، كما يدل اسمه أمّا «البوميلو أو الكريفون» فمنبته الأصلي في الجزر الماليزية.

تشرح المؤلفة أن أشجار تلك الثمار بكل أنواعها انتشرت في العديد من مناطق العالم متّبعة مسارات الطرق التجارية الكبرى. من هنا ساهم التجّار والفاتحون المسلمون كثيرا، كما تشير، في انتشارها حيث كانوا هم الذين أدخلوها إلى جزيرة صقلية في جنوب إيطاليا وإلى الأندلس في أسبانيا.

وتضيف في نفس السياق أن «المعارف العربية» في مجالات الري وتطعيم الأشجار ساهمت في جعل الأشجار القادمة من مناطق أخرى بعيدة تتأقلم مع المناخ المتوسطي.

وتقدّم هيلينا اتلي على مدى العديد من الصفحات البراهين على أن العرب هم الذين نقلوا إلى جزيرة صقلية أشجار الحمضيات، بل نقلوا أيضا طرق توزيع زراعاتها بالقرب من القصور كما تدل بساتين الليمون والبرتقال الكبيرة الخضراء المزوّدة بأقنية للسقاية وبالنوافير العديدة في منطقة باليرمو.

كذلك انتقلت تلك المعارف إلى بقية المدن الإيطالية، وتشير المؤلفة إلى ان إحدى حدائق قصور ملوك إيطاليا من سلالة ميديتشي تعود إلى القرن السادس عشر حيث جرى تقسيم الحديقة بعدد من الجدران بحيث يكون هناك مساحة كبيرة مغطاة بالظلال، مما يؤمّن درجة حرارة مثالية لزراعة الأشجار المثمرة، وخاصّة الحمضيات.

وفي ما هو أبعد من طريقة شغل الحيّز المكاني وطرق السقاية والري كانت بساتين الليمون والبرتقال مصدر إيحاء شعري لما سُمي بـ«شعر الحدائق»، المثال على ذلك هو ما قاله أحد الشعراء الطليان وكان مصدر إلهامه الشعري ألوان بساتين البرتقال وأوراق أشجارها الكثيفة.

وتلك الخضرة الزمرّدية لأزهارها والليمون الذي «يحاكي وجوه العاشقين الشاحبة بعد نحيب ربما استمرّ ليلة كاملة».

المؤلفة تجمع في هذا العمل بين التاريخ وعلم النبات وأدب الرحلات، بل يجد القارئ فيه بعض المعلومات عن كيفية استخدام الليمون والبرتقال في بعض وجبات الطعام وعن الفن والشعر والثقافة، ورحلة فريدة وثرية في الماضي الثقافي والأخلاقي والسياسي لإيطاليا، ومن أبسط الأشياء إلى أعماق التاريخ.

المؤلف في سطور

 

هيلينا اتلي كاتبة بريطانية جعلت من الحدائق والكتابة عنها موضوع اهتمامها الرئيسي، سبق لها وقدّمت سلسلة من الكتب عن إيطاليا والبرتغال واليابان، كان آخر أعمالها، قبل هذا الكتاب، هو «الحدائق الخاصّة في إيطاليا».