كان انهيار جدار برلين في شهر نوفمبر من عام 1989 بمنزلة الإعلان عن انهيار اليسار المعسكر الاشتراكي ـ الشيوعي، وانتصار المعسكر الرأسمالي الغربي. لكن هذا المعسكر «المنتصر» يعاني ما يسمّيه ألكسندر ديل فال بـ«العقدة الغربية».
وكان هذا الباحث الفرنسي ـ الإيطالي المولود في مدينة مرسيليا، قدّم ما يزيد على عشرين كتاباً في المسائل الجيوستراتيجية المتعلّقة بالغرب عموماً، وبأوروبا والعالم العربي والحضارة الإسلامية.
عنوان هذا الكتاب «العقدة الغربية» له دلالته الواضحة على مضمونه. وينطلق مؤلّفه من نقطة واضحة، مفادها أن الغرب عامّة يعاني حالة «إحساس جماعي بعقدة الذنب»، على قاعدة فقدانه بوصلة الوجّه في عالم اليوم، جعلته يتخبط في طموحات كونية، وبحثه عن خصوصيات هويته، وهذا ما كان قد عبّر عنه الفيلسوف الأميركي ذو الأصل الألماني ليو ستروس منذ سنوات عديدة بالقول: «تكمن أزمة الغرب في واقع أنه فقد الثقة بمصيره».
يبدأ ألكسندر ديل فال بتوصيف الأعراض التي تدل على أن الغرب يعاني حقيقةً حالة «إحساس جماعي بعقدة الذنب»، ويحدد القول إنها حالة لها جذورها القديمة جداً، إذ تقوم على «مجموعة من الأساطير المؤسسة» التي من شأنها أن تؤدّي إلى تشويه الحقائق القائمة.
وهو يعود في بحثه عن جذور تلك «العقدة الجماعية للإحساس بالذنب» لدى الغرب إلى التاريخ الغربي منذ الحروب الصليبية حتى العولمة السائدة اليوم، ومروراً بالعصور الوسطى وتجارة العبيد والتوسع الاستعماري، باعتبار أنها تشكّل كلّها فترات ـ منعطفات في التاريخ الغربي، وعبر ذلك في التاريخ العالمي.
مع تحديد القول إن الغرب يجد ما يدعوه إلى «الإحساس بالذنب» في شنّه للحروب الصليبية وفي العصور الوسطى «المظلمة»، وفي رسم صورة شيطانية للكنيسة الكاثوليكية، وفي الديون المستحقة عليه حيال العلوم العربية ـ الإسلامية، وفي توجيه تهمة استعباد الآخرين.
وفي التوسّع الاستعماري الذي مارسه حيال الكثير من الشعوب الأخرى، وفي نظرته العنصرية إلى الشعوب والحضارات غير الغربية، وفي الفترة الأخيرة في «أشكال الجنوح» التي يعرفها الاتحاد الأوروبي.
وتمثّل ذلك التاريخ بالنسبة إلى الغرب في نوع من «العقدة»، إذ غدا يرى في نفسه «جلاّداً» أراد تدمير الحضارات الأخرى، ومن ثم تكوّن في الوعي الغربي نزوعاً نحو «ازدراء الذات»، ومن «عقدة الذنب» التي يدل عليها عنوان هذا الكتاب.
ولا يتردد المؤلّف في القول إن هذه العقدة هي بمنزلة «سلاح تدمير شامل» حقيقي.
ويمزج المؤلف في تحليلاته بين الانفعالات والمؤثرات النفسية، وبين المسائل الجيوسياسية، في محاولة لتحديد معالم التوجّه في العالم ذي الأقطاب المتعددة، والنتيجة الأساسية التي يخلص إليها، فمفادها أن بقاء الأمم الغربية كقوى فاعلة في السياق الدولي الحالي الذي يتسم خاصّة بتعدد الأقطاب، مرهون بأن «تضع جانباً» طموحاتها ومزاعمها الكونية، وتتبنّى بدلاً منها إعادة توجيه استراتيجي تقوم على أساس تعزيز هويتها الخاصّة بها.
المؤلف في سطور
ألكسندر ديل فال كاتب فرنسي ـ إيطالي ـ اختار هذا الاسم لأعماله وكتاباته، يعمل في مجال الاستشارات الاستراتيجية والسياسية الدولية، ويسهم في الكتابة بانتظام في صحيفة «فرانس سوار». قدّم ما يزيد على عشرين كتاباً عن الغرب والعالم العربي ـ الإسلامي باللغتين الفرنسية والإيطالية.
