تتعدد الآراء حول ما آلت له مسيرة التوحيد الأوروبي ممثّلة اليوم بالاتحاد الأوروبي، الذي يضمّ 27 بلداً من بلدان القارة «العجوز»، حسب التوصيف الذي يستخدمه كُثر حيال القارّة الأوروبية، وإذا كانت الكتب الصادرة في العامين الأخيرين كثيرة، وتتوزع بين «مناصري أوروبا الموحّدة» وبين مناهضيها، ممن يؤكّدون أنه لا مستقبل لها، وأن مآلها هو الفشل.

وفي عداد الأصوات التي برزت صوت الملياردير الأميركي الشهير، جورج سوروس، الذي تعود أصوله إلى هنغاريا «المجر»، الذي سبق له وقدّم العديد من الكتب التي احتلّت صدارة الكتب الأكثر انتشاراً في الولايات المتحدة الأميركية.

سوروس يكرّس كتابه الأخير الصادر قبل أسابيع لما يسميه «مأساة الاتحاد الأوروبي»، كما يقول العنوان الرئيس. وهذا كتاب حوارات أجراها سوروس مع الباحث جورج بيتر شميتز.

مجتمع مفتوح

ويعلن سوروس بأشكال مختلفة في هذا الكتاب تعاطفه الصريح مع الاتحاد الأوروبي الذي يمثل برأيه، طموحاً كبيراً بالنسبة لأوروبا وللعالم، وأنه يمثل «مجتمعاً مفتوحاً، جديراً بأن يكون نموذجاً لتجارب شبيهة أخرى على الصعيد العالمي.

ذلك أن مجموعة الدول الأعضاء الداخلة في إطاره قررت «التخلّي» عن جزء من سيادتها الوطنية، من أجل خوض تجربة توحيد مسارها، وقبول «قواعد جماعية» تسري على كل الشركاء من الأعضاء.

لكن سووس يشير بالمقابل، رغم ذلك، إلى عدد كبير من نقاط الضعف التي يعانيها الاتحاد الأوروبي.

والقول إنه قد يغدو من متاع الماضي، كما يبدي الأوروبيون حالة من الكره الذي يقارب أن يكون مرضاً، حيال مسيرة التوحيد كما يظهر من مختلف العمليات الانتخابية الأوروبية، وهناك أيضاً تهديدات مستمرّة بانسحاب بعض الدول الأعضاء من الاتحاد، وفي مقدمتها بريطانيا التي قد تقوم بتنظيم عملية استفتاء لخروجها منه.

جذور عميقة

النقطة التي ينطلق منها المؤلف في تحليلاته هي محاولة تبيين الجذور العميقة للأزمة المالية الراهنة التي تعيشها أوروبا.

ذاك عبر تقديم لمحة موجزة عن التاريخ الأوروبي من أجل تقييم الأزمة وآثارها في الصعيد الاقتصادي العالمي الشامل من جهة، وعلى صعيد القيم السياسية التي يمثّلها هذا الاتحاد، ومن خلال الكشف عن جذور الأزمة يتم تحديد «الشروخ الاقتصادية والسياسية»، التي يعانيها الاتحاد الأوروبي اليوم ومداها.

ويتعرّض المؤلف طوّيلاً لأزمة اليورو، العملة الأوروبية الموحّدة، ويرى أنها لم تكن نتيجة حتمية للاندماج الأوروبي، بل كانت بالأحرى نتيجة أخطاء كان يمكن تجنّبها وتلافيها في السياسة والاقتصاد، إلى جانب الثقة المفرطة بالأسواق المالية».

ويطلق جورج سوروس على الثقة المطلقة بهذه الأسواق توصيف «أصولية الأسواق» على غرار الأصولية في مجالات السياسة والعقائد، ويعيدها إلى خلل في مؤسسات الاتحاد الأوروبي مع المطالبة بضرورة إجراء إصلاح جوهري في هذه المؤسسات، ومن السمات الأساسية للثقة بالأسواق القناعة أنها تمتلك قدرة استثنائية في الضبط الذاتي.

فهل سيستطيع اليورو النجاة والبقاء؟، يسأل جورج سوروس، ويحدد في إجابته من هم «المذنبين الحقيقيين» عن أزمة هذه العملة الأوروبية الموحّدة، وعلى رأس هؤلاء المذنبين «برنامج التقشّف الألماني غير المشروع»، وتكرار القول، إن هناك مسؤولية كبيرة تقع على كاهل ألمانيا في الأزمة التي يعانيها اليورو و«منطقة اليورو».

ويحدد القول، إن هذه المنطقة منقسمة بين فئتين رئيستين من الدول هما فئة الدائنين وفئة المدينين. دول هذه الفئة الأخيرة تجد نفسها مضطرّة لدفع مبالغ مالية كبيرة من أجل تسديد كلفة ديونها.

هنا أيضاً يرى سوروس أنه كان يمكن لانخراط ألمانيا أكثر في منطقة اليورو وقبولها بقدر أكبر من التعاون والتضامن على المستوى الضريبي أن يكون عاملاً كبيراً في منع وقوع الأزمة في منطقة اليورو أصلاً، أو على الأقل نهايتها في فترة زمنية أقصر.

إصلاح خلل

ويذهب سوروس أكثر في مثل هذا النهج من التحليل وصولاً إلى التأكيد أنه إذا لم يتم إصلاح أشكال الخلل في البناء الأوروبي القائم بالصيغة الحالية فإن مستقبل أوروبا برمّته يمكن أن يكون مهدداً.

ويحذّر في السياق نفسه بأن انهيار الاتحاد الأوروبي يعني أن «تتحول الدول الأعضاء من واقع الشركاء اليوم إلى متنافسين من جديد»، وبالتالي سيكون للأمر نتائجه الخطرة بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية وللعالم.

ويوجّه سوروس نقداً شديداً أيضاً للموقف البريطاني من الاتحاد الأوروبي، ويطالب بريطانيا بتبنّي نهج جديد تستعيد فيه هويتها الأوروبية، وتوقف الابتزاز الممثّل بالتهديد بتخليّها عن منطقة اليورو وانسحابها من الاتحاد الأوروبي.

ويرى أن البريطانيين يناقشون الأمور على ضوء مصالحهم الخاصّة، وليس تبعاً للمصالح الأوروبية المشتركة، بل والتأكيد أن السلوك البريطاني يعبّر غالباً عن حالة نزاع مع الرؤية المشتركة لمستقبل أوروبا.

ويشرح الكتاب أن الاتحاد الأوروبي محكوم عليه أن يختار بين سبيلين مختلفي النتائج تماماً؛ فإمّا «النهوض» والاستمرار بقوّة وإمّا «التفسخ» والانهيار في الأفق المنظور.

 

المؤلف في سطور

جورج سوروس أحد أشهر رجال الأعمال الأميركيين، وهو أحد رجال الأعمال المئة الأكثر ثراء في العالم حيث أبدى براعة كبيرة في المضاربات بالبورصة، خريج مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية. رئيس صندوق ومؤسس «مؤسسات المجتمع المفتوح»، التي أقامت شبكات لها على الصعيد العالمي.