كانت كييف العاصمة الأوكرانية لمدّة عقود طويلة في ظل النظام السوفييتي تدور في فلك موسكو باعتبارها إحدى أهم عواصم الجمهوريات السوفييتية، لكن منذ انهيار جدار برلين عام ،1989 وبداية ظهور الشروخ في الاتحاد السوفييتي السابق في مطلع عقد التسعينيات الماضي، ثم تفككه في عام 1991 والأوكرانيون يطرحون على أنفسهم السؤال الجوهري التالي: كيف يمكن الفكاك من الهيمنة الروسية؟

طرح هذا السؤال كان على خلفية أنهم يريدون «الاستقلال بأي ثمن»، كما جاء في عنوان كتاب الصحفية الفرنسية آني دوبنتون، التي عملت لسنوات طويلة في موسكو، ثم في العاصمة الأوكرانية كييف. وتؤكّد على مدى تحليلاتها أن مثل ذلك التطلّع كان حاضراً دائماً في الأذهان، منذ التحركات الشعبية من أجل الاستقلال عام ،1990 وحتى الانتفاضة الأخيرة في عامي 2013 و2014.

أحد الخطوط الناظمة للنهج الذي تتبعه المؤلفة في هذا الكتاب يتمثّل في القول، إن أوكرانيا تتطلّع إلى الحريّة والاستقلال وبناء دولة القانون، منذ عقدين من الزمن، وهي تجد نفسها باستمرار محصورة بين روسيا بزعامة فلاديمير بوتين التي ترفض ترك الأوكرانيين يفعلون ما تمليه عليهم تطلعاتهم وبين قوّة الجذب التي تجعلهم يريدون الانضمام لأوروبا ولمسيرة توحيدها ممثلة بالاتحاد الأوروبي.

وتتوقف المؤلفة عند يوم 21 نوفمبر من عام 2013، الذي صادف يوم الخميس، فأطلقوا عليه تسمية «الخميس الأسود»، في ذلك اليوم أعلنت الحكومة الأوكرانية أنها تضع حداً نهائياً للمفاوضات التي كانت جارية منذ فترة حول اتفاقية تخص انضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي، ما كان يعني ابتعادها نهائياً عن روسيا.

إلغاء تلك المفاوضات كان يعني ببساطة الابتعاد عن أوروبا والتوجه صوب روسيا من جديد.

بالنسبة للعاصمة كييف كان ميدان «الاستقلال»، ساحة الاعتصام والاحتجاجات الكبرى. لقد حدث ذلك في موجة الاحتجاجات، التي عرفها عام 2004 التي انتهت برحيل الرئيس الأوكراني آنذاك المؤيد للروس فكتور ايانوكوفيتش، وكما حدث في موجة الاحتجاجات الحالية التي امتدت من نهاية العام الماضي 2013، ومطلع العام الحالي 2014.

وفي الحالتين ترى مؤلفة هذا الكتاب أن الأوكرانيين قرروا أن يأخذوا مصيرهم بيدهم، وأن يدافعوا عن استقلالهم المهدد من قبل الجار الروسي القوي. هذا مع تباين جوهري تؤكّده المؤلفة بين الحالة الأولى التي حسمها ما عُرف بـ«الثورة البرتقالية»، التي بدا بوضوح أنها تميل لأوروبا وبين موجة الاحتجاج الحالية.

وتشرح المؤلفة أن «الثورة البرتقالية» لم تكن بمستوى الآمال التي علّقها عليها الأوكرانيون، إذ سرعان ما ظهرت الشروخ والنزاعات الداخلية، وتفشى الفساد بينما بقي المتسلّقون على السلطة من الأغنياء الجدد يسرحون ويمرحون، كما يريدون.

ومن خصوصيات الوضع الحالي في أوكرانيا أن المعسكرين، الموالي لروسيا والموالي لأوروبا، اتخذا بسرعة مواقف متطرّفة. وسالت الدماء وهرب الرئيس ايانوكوفيتش، بينما وضعت روسيا يدها عملياً على شبه جزيرة القرم. وفي محصّلة هذا كلّه أدرك الأوكرانيون أن ثمن استقلالهم «غالٍ جداً»، لكن فصوله لم تنته بعد.

 إن مؤلفة الكتاب تتوقف طويلاً في هذا الكتاب عند الأحداث وسط العاصمة الأوكرانية كييف. وتشرح بالكثير من التفصيل حالة التعارض الكبير بين أولئك، السياسيين وغير السياسيين، الذين يدورون في فلك موسكو، ويتلقون الدعم منها وبين أنصار الانضمام إلى مسيرة التوحيد الأوروبي.

المؤلف في سطور

 

آني دوبنتون صحافية فرنسية عملت لمدّة سنوات مراسلة دائمة لإذاعة فرنسا في العاصمة الروسية موسكو، ثم شغلت منصب المستشار الثقافي الفرنسي في العاصمة الأوكرانية كييف، وهي تحظى بالاعتراف بها أحد المرجعيات الفرنسية في شؤون أوروبا الشرقية والعالم الروسي. تعمل في المرحلة الراهنة باحثة مستقلّة.