من بين نظريات الرياضيات الشائعة، التي تلقى اهتمام الباحثين في الغرب تلك المسماة بـ«نظرية الاحتمالات»، وهناك الكثير من الكتّاب والباحثين أولوا اهتمامهم لدراسة مفهوم «المخاطرة»، ذلك باعتبارها أحد الاحتمالات الممكنة في جميع مجالات الحياة والأفراد والمجموعات.، واحتمال الخطر هو بالتعريف خروج عن المعايير العقلانية السائدة كما تثبت الإحصاءات.

الباحثان البريطانيان، الصحافي مايكل بليستلاند، والخبير في مجال الإحصاء دافيد سبيجلهول، يكرّسان كتاباً للبحث في ما يسميانه «احتمالات المخاطر»، الذي يدرسان فيه تأثير احتمالات الخطر في حياة البشر وفي سلوكهم. يحمل الكتاب عنوان «كتابات حول مفهوم المعيار»، وعنوانه الفرعي «حكايات وأرقام حول احتمالات الخطر».

وعلى مدى سبعة وعشرين فصلاً قصيراً يناقش المؤلفان مختلف أشكال المخاطر التي تواجه حياة البشر اليومية، ذلك خلال مسارهم منذ الولادة حتى سنوات الشيخوخة.

وفي كل فصل من الفصول التي يحتويها العمل تتم معالجة موضوع محدد عبر صيغة، تتكرر في كل منها، ذلك أن كل فصل من الفصول يبدأ بصفحة أو صفحتين من طابع روائي تجد فيه «الشخصيات» نفسها في وضع معيّن، ينتهي بالقارئ إلى معرفة الموضوع الذي يراد نقاشه. بهذا المعنى يتم الانتقال مما هو خيالي، إبداعي، إلى ما هو توثيقي بالمعنى الدقيق للكلمة.

ويتمثّل أحد الجوانب التوثيقية في هذا العمل بالقيام في عملية مقارنة للأرقام بين الحالتين البريطانية، والأميركية في مختلف الميادين، التي يتم التعرّض فيها لـمسائل «المخاطر المحتملة»، ذلك على قاعدة التشابه الكبير القائم بين الحالتين.

وفي الحالتين أيضاً، كما في غيرهما من الحالات، يشير المؤلفان إلى التباين الكبير بين واقع المخاطر، وبين «الأحاسيس السائدة» حول تكرار تلك المخاطر.

الجانب التوثيقي الرئيس الذي يتم عرضه تشكل الأرقام عموده الفقري، وأغلبية الأرقام مأخوذة من جداول ومن معطيات إحصائية منشورة وصادرة عن جهات ومؤسسات مختصّة.

هكذا مثلاً يتم الحديث عن عدد الأشخاص، الذين ينتمون إلى زمرة معيّنة من العمر حدثت وفاتهم، بسبب نشاط معيّن في بلد معيّن خلال فترة محددة من الزمن.

تجدر الإشارة أيضاً إلى أن الجانب النفسي، الانفعالي، ليس غائباً عن تحليلات هذا الكتاب.

الفكرة الأساسية للكتاب تتعلّق بمفهوم جديد في مجال الاحتمالات يحاولان إدخاله في حسابات المخاطر. ويصوغانه بمحاولة معرفة متوسط عدد الوفيات الناجمة عن نشاط ما. ويقدّر المؤلفان اعتماداً على مثل هذا المفهوم أن هناك اليوم احتمال أن يموت شخص بفعل خطر ما محتمل من أصل كل مليون شخص، وهذا يتناظر حسب المعايير الإحصائية، مع خطر الموت بسبب حادث سير.

وعلى مبدأ حساب الاحتمالات نفسه يشير المؤلفان إلى أن خطر أن تموت امرأة بسبب الولادة في بريطانيا يعادل الخطر نفسه المترتب على قطع المسافة ذهاباً وإياباً على درّاجة نارية بين لندن وأدنبيرغ.

وتقول إحصائية، إن الجنود الغربيين المتواجدين في أفغانستان يواجهون، حسب المعيار الذي يتبنّاه المؤلفان، خطر الموت يومياً أقل بكثير من الخطر الذي كان يواجهه الطيارون البريطانيون، الذين كانوا يقومون بمهمات قصف المدن الألمانية، خلال الحرب العالمية الثانية.

وإذا كان المؤلفان يعتمدان عامّة على استخدام لغة الأرقام فإنهما يوظّفانها خاصّة في البحث بالمسائل المتعلّقة بـ«احتمالات أمل الحياة»، و«احتمالات العودة إلى عالم الأموات»، بتعبير آخر هذا الكتاب هو في صميمه نوع من البحث في الوسائل الأكثر معقولية للأخطار التي يواجهها البشر، وكيفية التقليل من احتمال حدوثها.

المؤلف في سطور

 

مايكل بليستلاند صحافي وكاتب بريطاني يعمل في إذاعة «بي بي سي»، سبق له وأسهم مع اندرو لينو بأعمال عدّة حول مفاهيم «الرياضيات الشعبية». ومن بينها «النمر الذي ليس نمراً»، و«لعبة الأرقام»، و«الذاكرة هي الطفل الوحيد في العالم». ودافيد سبيجيلهول هو أستاذ في جامعة كمبردج، وعضو في الجامعة نفسها.